من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة " المختار "للأديب أيمن موسى

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة


 يبدو عنوان القصة " المختار" حاسمًا للوهلة الأولى ، كأنه يقر بأن بطله قد نال امتيازًا استثنائيًا ، موهبة ترفعه فوق الآخرين . إلا أن النص منذ سطوره الأولى، يبدأ في تفكيك هذا اليقين.


 فالرجل الذي يقاوم وحدته بالنحت ، لا يتعامل مع الخشب بوصفه مادة جامدة ، بل كيانًا يستجيب له وينجذب إليه ، 

هذه الجملة تحديدًا " فهو لم يختار الأخشاب بل هى التي تختاره " قلبت المعادلة من فعل إرادي إلى إستجابة خفية.

 الخشب هنا يجاوز كونه مادة ، فالأشياء المهملة ، الملقاة في الشوارع تتحول بين يديه إلى أشكال تنبض بالحياة ، إلا انه لم يفرض عليها صورته ، بل يستخرج منها ما تواريه. 


داخل هذا الإطار تبدو عزلة البطل ذات وجهين ، فقر ووحدة في نظر الآخرين ، لكن داخله جنة يتحمل في سبيلها العناء ، غرفته الضيقة تتحول لعالم مكتمل ، يمارس فيه طقسه الخاص ، فالفن لم يصبح فعلا يمارسه بل أصبح حالة يذوب فيها ينسى كل ما هو دنيوي من مأكل ومشرب .

أما الفقرة الخاصة بكلية الفنون ، تُضيف بُعدًا مهمًا ، إذ تعترف المؤسسة بفرادته ، لكنه في الوقت نفسه تدرك بأن الموهبة لا يمكن احتواؤها داخل القوالب الأكاديمية ، فهى موهبة فطرية ، قد تنطفأ إذا أخضعت لقوانين التعلم الصارمة ، وهنا يتعزز معنى المختار ، لكن ليس بوصفه مَن اختار طريقه .


غير أن التحول الأعمق يبدأ مع ظهور الخشبة الضخمة ، لم تعد المسألة مجرد نحت ، بل مواجهة مع نداء يتجاوز المنطق ، الخشبة أكبر من قدرته ، حملها مستحيل ، يسمع صوتها ، قوله : " لم اتركك وحيدة مثلي " يكشف إسقاطًا داخليًا واضحَا ، فهو لا يستجيب لنداء الخشبة فقط، بل لوحدته هو أيضًا ، فيتحول الفن لمحاولة للنجاة .

ويؤخذ على النص في هذا الموضع خللًا في منطقية الحدث، إذ يصور البطل وهو يحمل جزعًا ضخمًا لمسافة تمتد إلى ثمانيةكيلو مترات ، وهو ما يصعب قبوله في إطار الواقعية التي انطلق منها السرد، خاصة وان الجذع ذاته يتجلى لاحقًا كعمل هائل، يصلح لاحتواء الجسد ، ولم يعمد النص إلى تمهيد كاف يحول هذا الفعل إلى مستوى رمزي، مما ابقى المشهد معلقًا بين الواقعي والمتخيل، وأضعف تماسكه البنائي.


لكن القصة لا تكتفي بهذا التداخل ، بل تدفعه إلى أقصاه، فمع العمل الأخير ، تتغير طبيعة العلاقة، فلم يعد هو مَن يحدد الشكل ، بل ينتظر ما تبوح به الخشبة ، فلا يفرض رؤيته ، بل يصغي وينفذ ، وتحول دوره من فاعل إلى وسيط . في هذه اللحظة ، يصبح " المختار" ليس مَن يوجَه ، بل مَن يستدعى ليكمل.


يتجلى هذا بوضوح في العمل النهائي، جذع نخلة تلتف حوله وجوه أطفال، وعصافير ، وزهور ، وهذه العناصر ليست زخرفة ، بل بناء رمزي لعالم كامل ، فالأطفال يحيلون للبراءة ، والعصافير للحرية والانفلات من قيود الواقع ، والزهور تشير للجمال ، اجتماعهم معًا يمثل جنة خاصة صنعها البطل لنفسه ، عالمًا بديلًا عن الواقع الذي عجز عن احتماله.


الجملة الأخيرة: " لا تخرجوني منها ، فقط أهيلوا علينا التراب " تكشف ان هذا العالم الذي صنعه، لم يعد مجرد عنل فني ، بل صار مكانه الأخير.


هكذا تتحول من حكاية عن موهبة استثنائية إلى تأمل فلسفي لطبيعة الفن ذاته، هل هو نساحة للتعبير أم قوة تستحوذ على صاحبها؟


هل الإنسان يمارس شغفه أم أن شغفه هو ما يُعيد تشكيله؟ 

النص لا يقدم إجابة مباشرة ، لكنه يلمح بوضوح إلى أن الموهبة بقدر ما تمنح صاحبها معنى ، قد تقوده إلى الذوبان الكامل داخل ما يُحب.

بين العطاء والفقد ، وبين الجنة والعزلة ، يتجسد المعنى الأعمق " المختار" ليس مَن نال نعمة الفن ، بل مَن لم يعد قادرًا على الإنفصال عنها حتى النهاية .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8387
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.