من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مالي على حافة الهاوية: سقوط مدوٍّ لمشروع موسكو في الساحل الأفريقي

باماكو، وكالات : " نقاش "
مالي على حافة الهاوية: سقوط مدوٍّ لمشروع موسكو في الساحل الأفريقي


باماكو تستيقظ على دويّ المدافع


في فجر السبت الخامس والعشرين من أبريل 2026، استفاقت مالي على وقع انفجارات متزامنة هزّت العاصمة باماكو ومناطق واسعة من شمال البلاد ، في مشهد يُنبئ بأن حقبة من التوازن الهشّ قد بلغت نهايتها المأساوية.

لم تكن هذه ضربات عشوائية، بل هجوم واسع ومنسق أعاد خلط الأوراق عسكريًا، من أقصى الشمال إلى قلب العاصمة، في مشهد يعكس انهيارًا متزامنًا على عدة جبهات. 

أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت مقر الرئيس المالي أسيمي غويتا، ومقر وزير الدفاع، بالإضافة إلى مطار باماكو الدولي وعدد من المواقع العسكرية.

وبالتوازي مع ذلك، شنّت جبهة تحرير أزواد عمليات عسكرية في أربع مدن كبرى هي غاو وكيدال وسيفاري والعاصمة باماكو، وأسفرت عن إسقاط مروحية عسكرية في إقليم كيدال، والسيطرة الكاملة على معسكر واباريا في غاو، واستعادة إقليم كيدال بالكامل. 

وزير الدفاع يسقط.. وغويتا يختبئ

في قلب هذه العاصفة، كان المسؤولون أنفسهم يدفعون الثمن. تداولت وسائل إعلام فرنسية ودولية تقارير تفيد بمقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا خلال الهجمات المنسقة.  وكامارا ليس مجرد مسؤول عسكري؛ فقد كان يُعرف بلقب "رجل موسكو في باماكو"، بوصفه مهندس الاتفاق مع مجموعة فاغنر. 


انتشرت قوات الجيش صباح الأحد حول المستشفى التي أُدخل إليها وزير الدفاع قبل الإعلان عن مقتله، وفقًا لمصدر طبي وشهود عيان، ما يعكس حالة الاستنفار الأمني داخل العاصمة.

أما الرئيس غويتا نفسه، فقد تحدث شهود عيان عن دوي انفجارات وإطلاق نار كثيف قرب مقر إقامته، وسط حالة من الغموض بشأن مكان وجوده. 

فاغنر: من منقذٍ موعود إلى عبء استراتيجي

لفهم هذا الانهيار المتسارع، لا بد من العودة إلى لحظة الرهان الكبرى. في أواخر عام 2021، فتحت السلطات العسكرية في مالي أبواب العاصمة باماكو أمام مقاتلي مجموعة فاغنر الروسية، في خطوة اعتُبرت آنذاك قطيعة حاسمة مع سنوات من الإحباط تجاه فرنسا والأمم المتحدة. بيد أن الواقع جاء مغايرًا لكل الوعود؛ فقد كشف تحقيق نُشر استنادًا إلى تقرير منظمة "ذا سينتري" أن وجود فاغنر في مالي لم يكن مجرد إخفاق عسكري، بل تحوّل إلى عامل تفكيك لبنية الحكم العسكري ومصدر لتغذية التمرد. 


تأخرت وحدات فاغنر خمس ساعات قبل التدخل في هجوم جهادي ضرب مطار باماكو في سبتمبر 2024 وأسفر عن مقتل أكثر من مئة شخص، بسبب عدم دفع مستحقاتها، كما انتشرت صور المتمردين وهم يستعرضون أسلحة روسية مصادرة، في حين اتهم ضباط ماليون الروس بالعنصرية وتجاهل التسلسل القيادي، واصفين الانتقال من فرنسا إلى فاغنر بأنه "من مأزق إلى كارثة".

وقد بلغت التكلفة الشهرية لوجود فاغنر عشرة ملايين دولار، مما أثقل كاهل الدولة وأثار شكوك غويتا نفسه، الذي منع منح فاغنر أي امتيازات تعدين رغم ضغوط وزير دفاعه كامارا. 

انسحاب الفيلق وفراغ القوة


في يونيو 2025، أعلنت مجموعة فاغنر إنهاء مهامها، ليحل محلها "فيلق إفريقيا" التابع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية.غير أن هذا التحول الشكلي لم يُغيّر جوهر المعادلة الميدانية المتدهورة. وقد زادت حدة الصراع بعد انسحاب قوات فاغنر وتحولها إلى فيلق إفريقيا تحت إدارة وزارة الدفاع الروسية، ما ترك فراغًا في الدعم العسكري الذي كان يعتمد عليه النظام. 

في المقابل، تحدثت جهات مرتبطة بالفيلق الإفريقي عن خوض "معركة عامة من أجل مالي" إلى جانب الجيش المالي ضد جماعات مسلحة، وسط تضارب في المعطيات بشأن واقع السيطرة على الأرض. 

التحذيرات التي لم يُصغَ إليها أحد 


لم تكن نهاية هذا النظام مفاجأة لمن تابع تطور الأزمة عن كثب. كانت الجزائر قد حذّرت في يناير 2024 من تخلي باماكو عن الخيار السياسي لصالح الخيار العسكري، مؤكدةً أن هذا يحمل في طياته بذور حرب أهلية ويؤخر المصالحة الوطنية ويهدد السلام والاستقرار الإقليميين. 

وعلى الصعيد الداخلي، كانت باماكو تُضيّق الخناق على نفسها: واجهت إدارة غويتا انتقادات بسبب تقييد الإعلام وإسكات المعارضين بعد حظر الأحزاب السياسية، رغم تعهد المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين بحلول مارس 2024، قبل أن يمنح غويتا نفسه في يوليو 2025 ولاية رئاسية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد دون انتخابات. 

الغرب يراقب.. وواشنطن تقترب


في خضم هذا الانهيار، كان الغرب يُعيد تموضعه بهدوء. كشفت وكالة رويترز في مارس الماضي، نقلًا عن مسؤولين في الجيش الأمريكي، أن واشنطن تقترب من توقيع اتفاق تعاون مع باماكو قد يسمح للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق الأراضي المالية لأغراض المراقبة وجمع المعلومات، بعد نحو عام ونصف من الانسحاب القسري للقوات الأمريكية من النيجر. 

كما سعت إدارة الرئيس ترامب إلى إقامة اتصالات مع المجالس العسكرية الثلاثة، فيما حاولت توغو لعب دور الوسيط بين الدول الغربية وهذه البلدان. 


المأزق السوريّ يتكرر في أفريقيا


ما يجري في مالي اليوم يستحضر بقوة مشهدًا سبق أن رأيناه في سوريا: نظام عسكري راهن على الدعم الروسي بديلًا عن الإصلاح السياسي، فوجد نفسه في اللحظة الفارقة وحيدًا يواجه العاصفة.

تدهورت الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية بعد فشل سلطات غويتا رغم احتمائها بالمرتزقة الروس في مكافحة الجماعات المسلحة التي تشكّلت على أراضيها. 

الخاسر الأكبر في هذه الجولة هو المشروع الروسي في الساحل الأفريقي الذي طُوِّق بالوعود وأُفرغ من النتائج.

أما الرابح المؤقت، فقد يكون الغرب الذي يراقب بصبر انهيار نموذج المنافس، في انتظار ما ستسفر عنه الفوضى التي قد تُفرز واقعًا أشد تعقيدًا مما كان قائمًا.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8393
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.