لماذا جحا؟ .. الرجل الذي ضحكنا معه.. فبكينا عليه
في غرف بيوتنا التي تفوح برائحة بخار الشاي وصوت المذياع الخفيض في تسعينيات القرن الماضي، تسلل إلينا رجلٌ يرتدي عمامةً فضفاضة، يجرّ خلفه حماراً صبوراً وشكوكاً لا تنتهي. كنا أطفالاً نرى في جحا "مهرجاً" يقلب المنطق ليضحكنا، لكننا اليوم، ونحن نقف على مشارف الثلاثين أو نتجاوزها، نكتشف أن جحا لم يكن يمزح؛ كان يحاول ببساطة أن يظل عاقلاً في عالمٍ فقد صوابه تماماً.
لقد اخترتُ جحا ليكون بطل هذه المجموعة، ليس لأنه أثرٌ من التراث، بل لأنه "الصديق الوحيد" الذي لم يخذل خيال جيلنا. نحن مواليد التسعينيات، الذين ولدنا بين عالمين؛ عالم الحكايات الشفهية الدافئة وعالم الآلات الباردة، وجدنا في جحا مرآةً تشبهنا. إنه الرجل الذي يملك "لا شيء" ومع ذلك يتفاوض مع الحياة كأنه يملك "كل شيء".
في هذه القصص، لم أرد أن أحكي "نكاتاً"، بل أردتُ أن أرسم ملامح إنسانٍ حقيقي. إنسانٍ يرى الوجع خلف الضحكة، ويرى العبث في أدق تفاصيل اليوم؛ في الحذاء الممزق، وفي العجين البارد، وفي الفواتير التي تلاحق أحلامنا. جحا هنا هو ذلك "المراقب الحزين" الذي يحاول فهم لماذا يضيق الوقت، ولماذا يهرب الظل، ولماذا نبيع أعمارنا في سوقٍ لا يشتري إلا الأوهام.
إن الضحك الذي ستجده في هذه الصفحات ليس "قهقهة" عابرة، بل هو تلك الابتسامة المرة التي ترتسم على وجوهنا حين ندرك حجم الخديعة. إنها كوميديا تشبه طعم البصل الأخضر؛ لاذعة، حادة، ولكنها تذكرك بأنك لا تزال تتنفس.
لقد كتبتُ هذه الحكايات لأنني مدينٌ لهذا الرجل الذي علمني في طفولتي أن الصمت قد يكون أبلغ من خطب الخطباء، وأن الوقوف في مكانه هو أحياناً أسرع وسيلة للوصول إلى الغد.
إلى جيلنا الذي يبحث عن "أمله المفقود" في زحام الضجيج..
إليكم جحا كما لم تروه من قبل؛ قريباً منا بما يكفي ليفهم خيباتنا، وبعيداً بما يكفي ليرينا كم هي الحياة بسيطة.. لو توقفنا عن تعقيدها.
"ادخلوا إلى هذه الحكايات بقلوبكم، ولا تبحثوا عن الحكمة في الأقوال، بل ابحثوا عنها في المسافة الفاصلة بين نظرة جحا الصامتة للسماء وضحكته المكتومة في الأرض ففي تلك المسافة، يسكن شيءٌ منا." ولا أنهي الحديث دون سرد نادرة من نوادر جحا.
. السوق: الوقوف في المنتصف
تأليف أحمد لملوم
وقف جحا في قلب السوق، وكأن قلبه أصبح مرآةً تعكس صخب المكان دون أن يُعكسه، بينما الأصوات تتصادم كأنها أمواج غضب، والروائح تختلط بين بهاراتٍ عابرة وعرق البشر، كأنها تعزف سيمفونية الفوضى اليومية. الناس يهرولون، يصرخون، يضحكون، يساومون، كأن العالم سيغلق أبوابه بعد ساعة، لكن جحا لم يهرع، لم يشتري، ولم يبيع.
اقترب منه تاجر يمر بين الأرصفة، وعيناه تلمعان بدهشة:
"ما بك يا جحا؟ واقف كالوتد، لا تبيع ولا تشتري! هل ضاعت منك وجهتك؟"
ابتسم جحا ابتسامة نصفها تهكم، نصفها تأمل، وقال:
"لا أبيع ولا أشتري، لكني أجد نفسي دائمًا هنا، في الوسط."
أدار نظره ببطء، راقب الأيدي التي تمتد لتلمس البضائع، والوجوه التي تلمع فيها رغبة الجشع، وأضاف:
"السوق… هو المرآة الحقيقية للإنسان. هنا لا تلبس الأقنعة، هنا يظهر الجميع كما هو: يريد أن يأخذ أكثر مما يعطي. أنا لا أشتري سلعة، بل أراقب الثمن الذي يدفعه الناس من أعمارهم مقابل أشياء ستصدأ أو تُنسى غدًا."
ابتسم بنظرة هادئة نحو الفوضى، وقال:
"وقوفي هنا… هو تجارة مع الصمت. تجارة لا تخسر، لأنها لا تعتمد على ما يُعطى أو يُؤخذ، بل على ما يُرى ويُفهم."
وبقي جحا واقفًا، في منتصف السوق، كرمزٍ حيّ لصمتٍ عميق بين ضجيج البشر، يراقب كيف يُبدد الناس أعمارهم في سباقٍ لا نهاية له، بينما هو… يشتري الخبرة بلا ثمن.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك