الجزائر تستقبل الأبقار على متن الطائرات
قطر تُعيد رسم خريطة الأمن الغذائي العالمي
جسر جوي لم يشهده التاريخ
تخيّل مشهداً استثنائياً: طائرات شحن عملاقة تحلّق في سماء الأطلسي، لا تحمل بضائع تقليدية، بل تقلّ على متنها آلاف الأبقار الحلوب متوجهةً نحو الجزائر. ليس هذا سيناريو خيالياً، بل حقيقة تجري تفاصيلها على أرض الواقع، إذ أطلقت شركة "بلدنا" القطرية برنامجاً جوياً ضخماً يشمل 109 رحلات لنقل 30 ألف بقرة من سلالة "هولشتاين" عالية الإنتاج من تسع ولايات أمريكية إلى الجزائر ، في إنجاز لوجستي يُعدّ الأول من نوعه على هذا النطاق في تاريخ صناعة الألبان.
لماذا الجو لا البحر؟
قد يتساءل المرء عن الدافع وراء اختيار النقل الجوي بدلاً من الملاحة البحرية الأقل تكلفةً!!
والجواب يكشف عن رؤية استراتيجية متكاملة؛ أوضح رئيس الشركة رامز الخيّاط أن النقل الجوي يُقلّص زمن الرحلة بصورة كبيرة، مما يُسهم في الحفاظ على صحة القطيع، ويُعزز قدرته على التأقلم، فضلاً عن إحكام السيطرة على الرعاية البيطرية وتعزيز الأمان الحيوي.
وأضاف أن هذه المنهجية ذاتها أثبتت جدارتها في قطر، حين لجأت "بلدنا" إلى الجسر الجوي لبناء طاقتها الإنتاجية بسرعة قياسية إبان حصار عام 2017، لتُعيد توظيف تلك التجربة الآن في نطاق أوسع وأكثر تنظيماً.
المرحلة الثانية.. عقود بمئات الملايين
وقّعت "بلدنا" عقود المرحلة الثانية بقيمة تتجاوز 635 مليون دولار، تُضاف إلى عقود المرحلة الأولى التي تخطّت 500 مليون دولار، وشملت التقنيات الزراعية وخطوط الإنتاج وأنظمة الري وحفر الآبار والهياكل الفولاذية.
والأبرز في هذه المرحلة أن سبعاً من أصل عشر شركات مُشاركة فيها هي شركات جزائرية ، وهو ما يعكس التزاماً صريحاً بتوطين الصناعة وتعزيز القيمة المحلية.
ومن أبرز الشركاء التقنيين في المشروع: شركة HUNLAND وSCARFF BROS. لتوريد أبقار "هولشتاين فريزيان"، وشركة VALMONT المتخصصة في أنظمة الري وإدارة المياه، إلى جانب مجموعة متنوعة من الشركات الجزائرية للأعمال المدنية والإنشاءات.
قلب الصحراء.. أرض الخير الجديدة
يقع المشروع في منطقة أدرار جنوب الجزائر، ويضمّ ثلاثة محاور رئيسة: تربية الماشية بالتوسع التدريجي نحو 270 ألف بقرة على مدى تسع سنوات، ومصنعاً لمعالجة الألبان بطاقة إنتاجية تقدَّر بـ194 ألف طن من الحليب المجفف سنوياً. (Djazagro) ومن المقرر أن تبدأ أعمال البناء عام 2026، مع توقع إنتاج أول دفعة من الحليب المجفف في أواخر عام 2027، وذلك بمشاركة مجموعة GEA الألمانية العملاقة في البنية التحتية للتصنيع.
الجزائر.. من أكبر المستوردين إلى مُكتفٍ ذاتياً
لفهم الأهمية الحقيقية لهذا المشروع، يكفي استحضار الواقع الراهن؛ تستورد الجزائر ما يزيد على 400 ألف طن من الحليب سنوياً بقيمة تقترب من 800 مليون دولار، وتُصنَّف كرابع أكبر مستهلك عالمي للحليب المجفف بعد الصين والبرازيل والاتحاد الأوروبي.
وإذا اكتمل مشروع "بلدنا الجزائر" وفق المخطط، فإنه سيحوّل هذه المعادلة بشكل تام.
الأثر الاقتصادي يمتد من الجزائر إلى أمريكا
من المتوقع أن يُوفّر المشروع أكثر من 15 ألف فرصة عمل في الجزائر، فيما ستنعكس أنشطة الشراء والخدمات اللوجستية إيجاباً على الولايات المتحدة بخلق نحو 1200 وظيفة، وتوليد عائد اقتصادي يتراوح بين 250 و300 مليون دولار في سلسلة الإمداد الزراعي الأمريكية.
"بلدنا".. من قطر إلى أفريقيا
لا تقف طموحات "بلدنا" عند حدود الجزائر؛ فقد أعلنت الشركة عن مشروع بقيمة 1.5 مليار دولار في مصر، ثاني أكبر مستورد للألبان في أفريقيا، كما أعربت عن نيّتها إنشاء مزرعة ألبان في ولاية أوغون بنيجيريا ، في إطار استراتيجية توسّع قارية تجعل من "بلدنا" لاعباً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي عبر القارة الأفريقية بأسرها.

التعليقات
أضف تعليقك