من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حبن هدد ترامب باستخدام الغبارالنووي لمحو إيران : "ذرّة".. حين يُصبح الماضي النووي مرآةً للحاضر

القاهرة: خالد بيومي
حبن هدد ترامب باستخدام الغبارالنووي لمحو إيران :



رواية الألماني شتيفن كوبيتسكي تُعيد رسم خريطة الخوف النووي من الحرب العالمية الثانية إلى اليوم


 صدر حديثا عن دار نشر روفولت الألمانية رواية " ذرة " للكاتب الألماني شتيفن كوبيتسكي في مناخ تتصاعد فيه نبرة التهديد النووي من قبل ترامب ضد إيران، ومن موسكو إلى بيونغ يانغ، ومن طهران إلى حدود أوروبا الشرقية، يختار الروائي الألماني شتيفن كوبيتسكي أن يُعيد فتح ملفٍّ دفينٍ في أعماق التاريخ: لحظة اختراع البشرية للأداة الكفيلة بتدمير نفسها.


روايته الجديدة "ذرّة" (Atom)، الصادرة عن دار روفولت في مارس 2025، ليست مجرد نصٍّ تاريخي يستحضر حقبة الحرب العالمية الثانية — بل هي مرآةٌ مُقعَّرة تعكس توتراتنا الراهنة بكلّ حدّتها وقسوتها.


الكاتب: صاحب «الأعمال التي تضرب في قلب الحاضر»


شتيفن كوبيتسكي روائيٌّ ألمانيٌّ من مواليد 1971، صاحب مكانةٍ أدبيةٍ رفيعة بوصفه أحد أبرز أصوات الرواية التاريخية-السياسية في ألمانيا المعاصرة.


وأثبت قدرته الاستثنائية على استشراف الحاضر من قلب الماضي؛ إذ حقّقت روايتاه «مونشاو» و«ريسيكو» مكانةً مميزة على قائمة مجلة دير «شبيغل» الألمانية والأكثر مبيعًا، كما رُشِّح لجائزة الكتاب الألماني.


ولكوبيتسكي نهجٌ راسخ في دمج الشخصيات التاريخية الحقيقية مع أبطالٍ خياليين، ما يخلق نسيجًا سرديًّا بالغ التأثير يجعل القارئ عاجزًا عن الفصل بين ما جرى فعلًا وما يمكن أن يكون قد جرى بالفعل.


بين أكسفورد وقلب الرايخ الثالث: خيوط الحبكة


يعود مسرح الرواية إلى أوكسفورد في عشرينيات القرن الماضي، حيث تلتقط عيون رجل مخابرات بارد الأعصاب شابًّا رياضيًّا يُدعى سايمون باتلي، طالب الفيزياء الواعد.


ولا تمرّ سوى لحظاتٍ حتى يجد باتلي نفسه يُرسَل إلى برلين تحت غطاء منحةٍ دراسية، تحت حكم جمهورية فايمار الصاخبة بالأفكار والمخاوف.

في برلين، يؤدّي باتلي مهمة تجسس على زميل روسي. غير أن الأمور تتشابك حين تتحوّل مهمةٌ عابرة إلى كارثةٍ شخصية، ويفقد معها حبّ حياته: العالِمة الرياضية الموهوبة هيدي فون تريدل، التي يقضي عقودًا يبحث عنها في أرجاء أوروبا المشتعلة بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، يُستدعى باتلي من جديد ليُكلَّف بمهمة استثنائية: تتبّع آثار سلاحٍ ألماني من طراز لم يسبق له مثيل — القنبلة النووية.


الشبح النازي: هانس كاملر والظلّ الخفيّ للتاريخ


يحتلّ الجنرال هانس كاملر مكانةً محوريةً في عالَم الرواية، وهو شخصيةٌ تاريخية حقيقية شبه مجهولة حتى لعشاق التاريخ ،فقد كان هذا الضابط ذا مكانة بارزة في قوات الـ SS مسؤولًا عن الإشراف على بناء معسكرات الإبادة النازية، ثم عن إدارة المنشآت البحثية السرية تحت الأرض المُخصَّصة لإنتاج الصواريخ والأسلحة الجديدة.


يتسلّل باتلي إلى عمق الرايخ، مُوجَّهًا بتعليمات من العالِم الكبير نيلز بور ونائب هتلر رودولف هيس، في سباقٍ محموم مع السوفييت والأمريكيين لاغتنام أسرار التقنية الذرية قبل أن تقع في يد أحد.


وجوهٌ من التاريخ تتحرّك في دهاليز الخيال


أحد أبرز ما يُميّز رواية «ذرّة» هو حضور شخصياتٍ تاريخية حقيقية تمشي جنبًا إلى جنب مع أبطال الروائي المتخيَّلين. يصطدم باتلي بكيم فيلبي — العميل المزدوج الشهير — حين كان لا يزال يُحسَب في عداد أبطال المخابرات البريطانية.


وفي ظلال لشبونة العاصمة البرتغالية الحاملة لأسرار الحرب، يلتقي بإيان فليمينغ نفسه، الذي كان آنذاك في خدمة MI6، قبل أن تُلهمه هذه التجارب بخلق عميله الخيالي الأشهر جيمس بوند.

كما يرسم كوبيتسكي صورةً مفصّلة لـ فيرنر فون براون، عبقري الصواريخ الذي انتهى به المطاف مهندسًا لبرنامج ناسا الفضائي الأمريكي.


الفلسفة الخفية: العلم سلاح بلا ضمير


يُصدّر كوبيتسكي روايته بمقولةٍ لفيرنر فون براون نفسه:


«العلم لا بُعد أخلاقي له، إنه كالسكين — حين تمنحه لجرّاح أو لقاتل، يستخدمه كلٌّ منهما على طريقته.»


هذه المقولة ليست مجرد زينةٍ على غلاف الرواية، بل هي البؤرة الأخلاقية الذي تدور حولها كلّ الأحداث.


فكوبيتسكي لا يُصوّر العلم بوصفه نور العقل الخالص، بل أداةً تخدم السلطة السياسية وأطماعها.


ويخلص القارئ إلى أن المنتصرين في الحرب وضعوا الاعتبارات الأخلاقية جانبًا حين تعلّق الأمر بالهيمنة التكنولوجية والتنافس على الأسلحة النووية.


المسافة بين العالِم البريء الذي يبحث عن الحقيقة والجنرال الذي يُحوّلها إلى قنبلة — هي المسافة التي يقطعها الضمير الإنساني كلّ يومٍ في صمت.


الصلة المُذهِلة بحاضرنا


ما يجعل «ذرّة» أكثر من مجرد رواية تاريخية هو قدرتها على الكلام بصوتٍ عالٍ عن اللحظة التي نعيشها.

صدرت الرواية في الذكرى الثمانين لقنبلتَي هيروشيما وناغازاكي، في توقيتٍ تتزاحم فيه الأخبار النووية بصورة مقلقة: روسيا تُطلق منظومة «أوريشنيك» الصاروخية الباليستية وتُلوِّح بالورقة النووية في وجه الغرب وسط حرب أوكرانيا، والهند والصين تختبران صواريخ جديدة في تواترٍ لافت، فيما حازت المنظمة اليابانية المناهضة للأسلحة النووية «نيهون هيدانكيو» جائزة نوبل للسلام عام 2024 — تذكيرٌ صارخ بأن العالَم لم ينسَ، لكنه ربما لم يتعلّم بعدُ.


وعلى صعيد أعمق، يطرح كوبيتسكي سؤالًا راهنًا حارقًا يتجاوز حقبة الحرب الباردة ليصل إلى زمن الذكاء الاصطناعي والأسلحة الفتاكة حين تُطلق التقنية العنان لقدراتٍ تتخطّى الأخلاق، من يملك زمام الاختيار؟ العالِم؟ السياسي؟ الجنرال؟ أم أن لا أحد يملكه حقًّا؟


الأصداء النقدية: ثريلرٌ يحاكي جيمس بوند وجون لو كاريه


لاقت الرواية ترحيبًا واسعًا من الإعلام الثقافي الألماني. كتبت صحيفة «دي تسايت»: «كوبيتسكي يروي بشكل صاعق ودقيق في آنٍ معًا — ولا يمكن لرواية تاريخية أن تكون أكثر راهنيةً من هذه.»


فيما وصفته إذاعة RBB بأنه «رواية تاريخية ذات صلة وثيقة بالحاضر لا يمكن إغفالها»، مُقارِنةً إياه بأفضل إنتاجات سلسلة جيمس بوند.


وترى مجلة «Galore» أنه «ثريلرٌ سياسي وعلمي مثير، وصاحب رؤية فلسفية تنتقد سذاجة العلماء أمام السلطة».


خاتمة: الذرّة لم تنفجر مرةً واحدة


تنتهي «ذرّة» بمشهدٍ ختامي يُذكّر القارئ بأن الانفجار النووي الحقيقي لم يكن قنبلتَي هيروشيما وناغازاكي وحدهما — بل كان في اللحظة التي قرّر فيها الإنسان أن العلم أداةٌ للغلبة لا للحكمة.


وفي عالَمٍ يشهد اليوم سباقات التسلّح التكنولوجي ذاتها، بأوجهٍ جديدة وأسلحةٍ أكثر خفاءً، تبدو رواية كوبيتسكي وكأنها لم تُكتَب عن الماضي أبدًا — بل كُتِبت عنّا نحن، هنا، الآن.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8400
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.