نبضُ مصر بين مشرطِ الطبيب ونداءِ الوطن
في دهاليز الطب، حيثُ تتقاطعُ الأنفاسُ مع المصائر، لا يكونُ التشخيصُ مجردَ قراءةٍ لعرضٍ عابر، بل هو فنٌّ دقيقٌ يشبهُ فكَّ طلاسمِ روحٍ تئنّ في صمت. هناك، في تلك اللحظة التي يختلط فيها اليقينُ بالظن، يظهرُ ما يمكن أن نسمّيه "التشخيص الطبي الآخر"ذلك الوجه الخفيّ من المعرفة، حين يضطرّ الأخصائي أن يسير وحده، بلا عكّاز استشارة، فوق حافةٍ رفيعةٍ بين الجرأة والخطر.
غير أنّ هذه الصورة، مهما بدت بطولية، لا تنفصل عن واقعٍ أكثر خشونة، واقعٍ تُثقلُه هشاشةُ المنظومة قبل أن تُرهقه الحالات. ففي وزارة الصحة والسكان، حيثُ يُفترض أن تكون الأكتافُ سندًا للطبيب، كثيرًا ما تُترك الأيدي عاريةً في مواجهة العاصفة. نقصُ الإمكانيات، تكدّسُ المرضى، بروتوكولاتٌ تُكتب على الورق وتُنسى في الممرات، وأخطاءٌ لا تُغتفر تُدفن تحت ضجيج الروتين، كأنّ الأرواحَ أرقامٌ قابلةٌ للتبديل.
ليس الحديثُ هنا جلدًا للذات، بل كشفٌ لجرحٍ مفتوح. كم من طبيبٍ اضطرّ أن يتخذ قرارًا منفردًا، لا لأنه أراد البطولة، بل لأنّ الاستشاري غائب، أو الموارد عاجزة، أو الوقت أسرع من كلّ شيء. وكم من مريضٍ دفع ثمنَ هذا الخلل، لا لأنّ الطبيب أخطأ وحده، بل لأنّ المنظومة كلّها تخلّت عنه في لحظةٍ كان فيها في أمسّ الحاجة إلى شبكة أمان.
فلنكن واضحين، دون مساحيق: هناك أخطاءٌ إدارية وتنظيمية لا يجوز أن تمرّ مرور الكرام تأخرُ الاستجابة، غيابُ الرقابة الحقيقية، سوءُ توزيع الكوادر، وإهمالُ التدريب المستمر. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل هي الفارق بين حياةٍ تُنقذ، وأخرى تُكتب نهايتها في صمتٍ بارد.
ومن هنا، يخرج النداء، لا كصرخةِ غضبٍ عابرة، بل ككلمةٍ تحمل ثقلَ مسؤولية:
إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي،
إنّ صحةَ هذا الشعب ليست بندًا في جدول، ولا رقمًا في تقرير. إنّها اختبارٌ يوميٌّ لعدالة الدولة وقدرتها على حماية أبسط حقوق مواطنيها. الأطباء يقاتلون بما لديهم، لكنّ المعركة أكبر من طاقاتهم الفردية. يحتاجون إلى نظامٍ يساندهم، لا يخذلهم؛ إلى بنيةٍ ترفع عنهم عبء القرار المنفرد، لا تدفعهم إليه قسرًا.
نحتاج إلى إصلاحٍ لا يُجمَّل في المؤتمرات، بل يُلمَس في غرف الطوارئ؛ إلى محاسبةٍ لا تعرف المجاملة، وتدريبٍ لا يعرف الانقطاع، وتمويلٍ يُدار بعقلٍ يقدّر قيمة الإنسان قبل الأجهزة. نحتاج إلى أن يعود الطبيب إلى موقعه في المستشفيات الحكومية التي تعمل أربعة وعشرون ساعة : جزءًا من منظومةٍ متماسكة، لا مقاتلًا وحيدًا في ساحة عيادته الخارجية تتساقط فيها الأخطاء كأوراق الخريف.
فالطب، في جوهره، ليس ساحةً لإثبات الشجاعة، بل ميدانٌ لإتقان الرحمة. وإذا لم تُصلح المنظومة عطبها، فسيبقى الطبيب واقفًا على تلك الحافة ينقذ ما يستطيع، ويخسر ما لا ينبغي أن يُخسر
.نحنُ شعبُ مصر، ومن نبضنا يتكوّن جيشُها؛ فإذا صحّت أرواحُنا وأبدانُنا، كنّا لها السورَ يوم تنادي، لا يتصدّع ولا ينحني.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك