شجرة المشمش (قصة قصيرة)
رافقها منذ سكنوا في الشقة التي انتقلوا إليها منذ سنتين.
كانت شجرة المشمش في وسط الحديقة التي أمام شقتهم في الطابق الأرضي. حرص أن يراقبها، ويجدد تربتها، ويخصها بالسماد الطبيعي. كما حرص أن يقلم أغصانها؛ فلا يسمح لمقصه أن ينال منها غير الأطراف الزائدة.
سعد عندما ازدهت بالأزهار في فصل الربيع، وتخيل نفسه عصفورًا يختفي بين أوراقها، ويقفز بين غصونها، وهو يزقزق. لم يحزن كثيرًا عندما لم تثمر في السنة الأولى؛ فالرياح كانت شديدة، كما أن عاصفة رملية هاجمتها بعد ذلك في بداية الربيع.
في السنة التالية نمت سريعًا، وتكاثفت أوراقها، وتراكم ظلها حتى ملأ الحديقة كلها، وازدانت بما اكتست من أزهار، كأنها عروس تتهيأ لحياة جديدة.
جلس تحتها في الصباح. النسيم يداعب أغصانها وأوراقها، ورائحة عبقة تنتشر في المكان، تنشط العقل، وتريح الصدر، وتبهج القلب. تدفقت لديه المشاعر بجمال الحياة، دفعته إلى مناجاتها:
"أنت لا اعوجاج ولا نتوءات. لا تنوي الشر لأحد؛ لا تتطاولي على حيطان الجيران، بل ترتفعين إلى السماء في شموخ وكبرياء. على أغصانك تشدو العنادل، وتغرد البلابل، وتهدل الحمائم. ما أسعدني وأنا أسمع تلك السيمفونية التي تشترك فيها هذي الطيور، كل صباح"
بعد أيام من تلك اللحظات أصيب بخيبة أمل عندما تساقطت ثمارها قبل أن تنضج، لم يلاحظ عليها ملامح مرض أو ضعف. أسرع إلى مهندسي الزراعة، وأصحاب المشاتل، ومحال بيع المبيدات الحشرية؛ ليشكو إليهم ما حدث، وتجمعت النصائح والإرشادات في أن يستبدل ترابها بغيره، ثم يمزجه بالمعادن والأسمدة، حتى إنه طحن الرز ووضعه في تربتها، كما نصحوه في مركز معالجة الآفات الزراعية.
ذات صباح، هرعت زوجته لتخبره بأن مادة صمغية تنزف من شجرة المشمش. استدعى مهندسًا من وزارة الزراعة. قال إن الشجرة أصيبت بآفة التصمغ، وعلاجه إزالة المادة الصمغية، ثم استخدام المبيدات النحاسية. رجاه أن يتولى العلاج وما يطلبه سيكون بين يديه.
مضى الربيع والمادة الصمغية لم تتلاش بل انتشرت على سائر الغصون. ولما سأل المهندس اكتفى بأن شرح له، بأن التصمغ مرض خطير سببه ربما زيادة الماء في التربة، أو وجود الصخور تحت جذور الشجرة، وأن شجرة المشمش لا يلائمها غير التربة الرملية.
جاء الخريف، وكأنه خريف العمر. بدأت الشجرة تذوي، ثم تساقطت أوراقها وجف ماؤها. كان ينظر إليها بحزن: "ماذا أفعل من أجلك أيتها العزيزة؟"
لمس غصنًا، ثناه فانكسر. صرخ:
- ماذا يجرى؟ الشجرة صارت حطبًا!
خرجت زوجته على صراخه، رأت ما حل بالشجرة، وقالت بأسى:
- لكل شيء نهاية. والشجرة جاءت نهايتها؛ ربما لأنها زرعت في غير مكانها.
لم يستطع النوم في تلك الليلة. هل يقدر على رؤيتها، وهي تموت أمام عينيه؟
استيقظت زوجته. أدركت ما يعاني، طوقته بذراعيها:
- انس يا حبيبي أمر الشجرة، وتذكر أن الناس يموتون كل يوم.
– كله موت يا زوجتي.
- ما بقي إلا أن نموت من الحزن على شجرة مشمش!
- في الصباح، سأذهب للبحث عن شقة للإيجار.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك