من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قراءة نقدية في "قبعة من دوالّ" للأستاذ زين المعبدي

بقلم: لامية عويسات
قراءة نقدية في




“في اللغة لا توجد إلا فروق بلا مصطلحات إيجابية" 


    توقفا؛ عند قائلها نحن لا ندخل النص من بابه، إنما ندفعه من شقّه: حيث لا تُقاس العبارة بصدقها، إنما بموضعها في شبكة اختلافات. 

          فصاحبنا؛ هنا لا يقول: ماذا حدث؟ بل يوزّع العلامات بحيث يصير الحدث ممكنًا، أو بصورة أدق محتملا، لنعاين هندسة خفيّة تُدار فيها الدوالّ كما تُدار الجيوش: تموضع، تمويه، ثم إعلان سيادة قد تكون آخر أشكال الارتباك.


يستهلّ أستاذي نصه بوعد لامع كحدّ سكين:

“كان ينتظر انتقامي”

جملة تُقيم مستقبلًا في زمن ماض؛ "كان" تفتح نافذة على توقّع لم يُستوفَ،هذا الإرجاء أنشئ مسرحا للثأر، ثم ينسفه الشاعر في اللحظة التالية عبر حيلة دلالية تُبدّل طبيعة الخصومة:

“بعد ما غادر وغدر”

التجاور الصوتي بين غادر-غدر ليس ترفًا إيقاعيًا؛ إنه تثبيت قسري لعلاقة سببية: الرحيل خيانة. الدالّ يجرّ دالًا، فيتبدّل الحكم. 

هنا يتبدّى ما سمّاه القدماء الجناس الاشتقاقي، لكنّه لم يأتي كزينة، بل أداة إدانة: صوت واحد يُحمّل الآخر وزرا أخلاقيا.

ثم ينفلت في نصه النداء:

"يا غافلا"

كأن اللغة تُصاب بارتجاف فجائي، هذا النداء ليس تعيينا لمخاطَب بقدر ما هو انكشاف لذات تحتاج أن تجرح الآخر كي تستقيم. إنّه بتعبيره "خروج عن مقتضى الظاهر"؛ فالسياق سرديّ، لكن النداء يقحمه في مقام المشافهة، فيكشف أن النص كلّه موجّه وأن وراءه خصما ضمنيا لا يزال حيا في الوعي، مهما ادّعى الشاعر موته.


عند عتبته الوسطى، يضع الشاعر عبارته التي تشبه لغزا أخلاقيا:

"أنا لا أقتل من انتحر"

هذه الجملة المفارقة تعيد ترتيب الحقول: القتل (فعل خارجي) يُلغى لأن الانتحار (فعل داخلي) سبقه. 

إنها باعتقادي؛ نسخة مُحوّرة من حكمة قديمة تتردّد في الشعر العربي: "كفى بالمرء من نفسه خصما" لكنها هنا تنقلب إلى سلاح بلاغي.

وكما يحضر في الأفق تناص خفي مع صرخة أبو الطيب المتنبي:

"وظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضة"

غير أنّ الشاعر لا يصرّح بالظلم، بل يسقطه كما عودنا في صيغة أدهى: الآخر "انتحر" دلاليًا، أي أنهى صلاحيته خصما،لكن؛ أيّ انتصارٍ هذا الذي لا يجد خصما يثأر منه؟

   تنقلب هنا السيادة إلى فراغ؛ البلاغة تحارب ظلا.


"ما زلتُ في قلعتي" 

القلعة ليست مكانا انما تعبير عن الحالة: حصن من الداخل، ومحصورٌ به؛ يتردّد صدى القرآن في الذاكرة:

"ولو كانوا في بروجٍ مشيّدة" في سورة النساء

فالتحصّن لا يلغي القلق، بل يضاعفه

القلعة تُعلن الأمان، لكنها أيضا تستدعي الحصار، نحن أمام استعارة مزدوجة الحدّ: ما يحميك يعزلك، وما يعزلك يبقي العدو حيا في الخارج،أو في الداخل وهذا أدق.

في المقابل: "وأنت من رحل" بجدارة يوهمنا بالانتقال جغرافيا لكن الأصل أنه إسقاط من النسق. 

الآخر يُطرد إلى خارج اللغة كي تتماسك الحدود، وهنا الطرد اعتراف ضمني بأنّ للآخر قوة حضورٍ تهدّد البنية؛ لذا وجب إخراجه، ولو على مستوى الدالّ.


 لتتوالى الجمل كأنها بيانات طمأنة بعد زلزال:

"أنا الآن مبتسم - كل شيء في مكانه - لا شيء انكسر".

ثلاث دعائم، ثلاث نُفس قصيرة، غير أنّ النفي هنا ليس براءة إنما قرينة إثبات معكوس، إنّ إلحاح "لا شيء" يوقظ "الشيء" المنفي، يجعله أكثر حضورا.


وفي الذاكرة البعيدة، يلوح صدى قول أظنه يُنسب إلى محمود درويش:

"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا"

يضعنا أمام إعلان للحياة يُخفي حافّة الفقد.

 هنا؛ الابتسام إعلان يُخفي ارتجافا، إنها بلاغة الاستعصاء بالتقرير: حين تُفرط في تثبيت الشيء، فإنك تكشف هشاشته.


      يبلغ النص مع صاحبنا انتظامه الظاهري في توازي يكاد يكون هندسيا:

"أنا من أصرّ على البقاء - وأنت من أصرّ على السفر"

التماثل التركيبي يُوهم بالعدل، لكنه يفضح الاعتماد، فالفعل واحد: أصرّ: عنادٌ مشترك، إكراهٌ مزدوج. البقاء لم يأتي كفضيلة صافية، ربما هو عجز مُقنّع؛ والسفر ليس خيانة خالصة، بل هو النجاة.


هنا يعمل مبدأ سوسير في أنقى صوره: القيمة التفاضلية "البقاء" لا معنى له دون "السفر"، و"الأنا" لا تُعرَّف إلا بظلّ "الأنت"

     كل جملة تُثبت الذات، لكنها في العمق تستدعي الآخر لتكتمل، إنّها هوية تُكتب بالمقابلة، لا بالامتلاء.


      إيقاعيا؛ النص اشتغل على التقطيع النَّفَسي: أسطر قصيرة، وقفات حادّة، بياضات تُؤدّي وظيفة القول.

 الصمت فيه ليس فراغا، بقدر ما كان معنى مؤجَّلا.

 لا بحر عروضي، لكن ثمة نبض متوتر جميل، كأن الجملة تُلقى لتسبق انكسارها.


أما المعجم فبسيط حدّ الخداع: كلمات يومية تُحمَّل عبر السياق والتكرار كثافة لا تبدو في ظاهرها. هذا ما يجعل النص قريبا من قارئه، وخطرا عليه في آن؛ لأنه يُقنعه بوضوحه بينما يُراكم تحته طبقات من الإرجاء.


تداوليا؛ نحن أمام خطاب يُريد أن يُقنع "آخرا" (حقيقيًا أو متخيّلا) بأن التوازن قد استُعيد. النداء، التقرير، الحكم: كلها أفعال كلام تُشيّد قلعة من الأقوال.

         غير أنّ كل جدار فيها يشي بالسبب الذي بُني لأجله: خوف من انهيار المعنى.

        نص يدافع عن نفسه بنفسه؛ يبني الحصن ويعلن الحاجة إليه في اللحظة ذاتها.


      فهل يكذب الشاعر؟

                         إذا أصغينا إلى سوسير، سقط السؤال. 

     فاللغة لا تُقاس بصدق وكذب، إنما بقدرتها على تنظيم الفروق، وصاحبنا هنا لا ينقل حقيقة جاهزة، بل يُعيد توزيع العلامات بحيث يصبح "الابتسام" ممكنا داخل النسق، حتى لو كان مستحيلا في التجربة.

إنه لا يكذب؛ بل يُدير الحقيقة إدارة بلاغية:

يُقصي خصمه من المعادلة، ثم يُبقيه شرطا لتعريف ذاته؛

ينفي الكسر، ثم يتركه يتسرّب من شقوق النفي؛

يعلن القلعة؛ ثم يكشف أن الحصار هو اسمها الآخر.

"قلعة من دوالّ"

كلّ حجر فيها يقول: لا شيء انكسر

وفي الصدى: حيث لا تصل الجملة، يستيقظ الكسر ويُسمّي نفسه.


#هكذا جاء نصه:


كان ينتظر إنتقامي

بعد ما غادر وغدر

ياغافلاّ..

أنا لا أقتل من انتحر

مازلت في قلعتي

وأنت من رحل

أنا الأن مبتسم

كل شي في مكانه

لا شي إنكسر

أنا من أصر

على البقاء

وأنت من أصر

على السفر ~

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8416
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.