قرار انتحاري يضع الاقتصاد السوداني على حافة الهاوية
الجنيه يتداعى.. وحكومة تُغلق الأبواب
في مشهد يجمع بين اليأس والارتجال، أصدر رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس قراراً صادماً يقضي بحظر استيراد ما لا يقل عن 46 سلعة تجارية، في خطوة وصفها المختصون بأنها أشبه بمن يحاول إطفاء حريق بإغلاق نوافذ البيت.
والهدف المُعلَن: وقف النزيف المتسارع في قيمة الجنيه السوداني الذي انخفض بنحو 10% ليبلغ 4100 مقابل الدولار ، في حين تجاوز سعر الصرف في السوق الموازية حاجز 4000 جنيه للدولار ، مقارنةً بنحو 600 جنيه للدولار حين اندلعت الحرب ، ما يعني أن العملة الوطنية فقدت أكثر من 85% من قيمتها في غضون ثلاث سنوات.
قائمة الحظر: حين يصبح الأرز "كمالياً"
استند القرار إلى أحكام الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية ومرسومين دستوريين، وجاء بناءً على تقرير لجنة مكلّفة بوضع مقترحات للحد من تدهور سعر الصرف، قدّمته وزارة الصناعة والتجارة.
غير أن ما أثار الدهشة والغضب معاً هو طبيعة السلع المُدرجة على قائمة الحظر، إذ صُنِّفت على أنها "كماليات وغير ضرورية" سلع من بينها البسكويت والشوكولاتة والأكياس البلاستيكية والفواكه والخضروات والأرز والإسمنت والدمى، فضلاً عن "المواد الخام للشركات".
ويتساءل المراقبون: كيف يُصنَّف الأرز —الغذاء الأساسي لملايين السودانيين— في خانة الكماليات؟ وكيف تُحظر المواد الخام التي تقوم عليها صناعات بأسرها؟
وتضمنت قائمة الحظر أيضاً منتجات الألبان الجاهزة باستثناء لبن البودرة ولبن الأطفال، واللحوم المصنعة والأسماك باستثناء الزريعة، إلى جانب المرايا وأكياس البلاستيك والسيراميك والرخام، والمنسوجات والسجاد والملبوسات الجاهزة.
ولم يحدد القرار موعد بدء سريان الحظر.
صوت المستوردين: "معيب وغير مدروس"
لم تنتظر أوساط الأعمال طويلاً للرد. وصف الصادق جلال الدين، رئيس الغرفة القومية للمستوردين السودانيين، هذا القرار بأنه "معيب ومؤذٍ للاقتصاد السوداني وغير مدروس"، محذراً من أنه سيُنشئ ظروفاً احتكارية لفئة قليلة مختارة.
وهو ما يعني بوضوح أن تضييق دائرة المستوردين لن يحمي الجنيه، بل سيتحول إلى نعمة للمحتكرين وكارثة على المستهلك العادي الذي سيجد نفسه أمام أسعار مضاعفة لا مفر منها.
جروح الحرب التي لا تندمل
لا يمكن فهم هذا القرار بمعزل عن السياق المأساوي الذي نشأ فيه. دمّرت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اقتصاد البلاد على مدى ثلاث سنوات، وأدت إلى توقف معظم الصناعات وإصابة الزراعة بالشلل وتفاقم تهريب الذهب، مما عمّق العجز التجاري الكبير أصلاً.
وتزداد المعادلة تعقيداً مع موجة العودة التي تشهدها البلاد، إذ رغم نزوح نحو 14 مليون سوداني، عادت أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق وسط السودان المستقرة نسبياً، مما ولّد ضغطاً إضافياً وطلباً متزايداً على الواردات، لا سيما المواد الغذائية ومواد البناء.
وهكذا يجد المواطن العائد إلى دياره نفسه في مفارقة قاسية: عاد إلى بلد يُغلق أمامه أبواب الاستيراد في اللحظة التي يحتاج فيها إلى كل شيء.
الدواء الأمر: هل يجدي الحظر؟
يُجمع خبراء الاقتصاد على أن تقييد الواردات لا يُعالج الأسباب الجذرية لانهيار العملة، وأبرزها شُح النقد الأجنبي الناجم عن تعطّل الإنتاج وتدمير المصانع الرئيسية، وانهيار الصادرات مع تصاعد تهريب الذهب ، بل إن الحظر قد يُفضي إلى نتائج عكسية تماماً: فارتفاع الأسعار جراء شُح السلع سيزيد الطلب على الدولار في السوق السوداء لا أن يُخفّفه، فيما ستُعاني مصانع وشركات كثيرة من انقطاع المواد الخام، لتُضاف بذلك موجة بطالة جديدة إلى ركام الأزمة.
السودان اليوم يقف أمام معادلة بالغة القسوة: حرب لم تضع أوزارها بعد، وعملة في حالة احتضار، وحكومة تُراهن على وصفة علاجية خاطئة. والسؤال الذي يطرحه المواطن السوداني في صمت مرّ: متى ينتهي هذا النفق؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك