ذهب بـ8000 دولار.. دويتشه بنك يرسم مشهداً جديداً لنظام مالي يتخلى عن الدولار
في تقدير لافت يعكس عمق التحولات التي يشهدها النظام المالي العالمي، رجّح دويتشه بنك الألماني أن يبلغ سعر الذهب نحو 8000 دولار للأونصة خلال السنوات الخمس المقبلة، في سيناريو يُصوِّر المعدن الأصفر وارثاً حتمياً لمرحلة تراجع الهيمنة الدولارية. وإن كان هذا التقدير ذا طابع نظري لا يرقى إلى مستوى التوقع الرسمي، فإنه يُجسّد قراءةً استراتيجية جادة يصعب تجاهلها في ظل المشهد الراهن.
من الأزمة المالية إلى ما بعد الدولار
تعود جذور هذا التحول إلى عام 2008، حين دفعت الأزمة المالية العالمية البنوك المركزية إلى إعادة النظر في تركيبة احتياطياتها. ومنذ ذلك الحين، أشارت بيانات صندوق النقد الدولي التي حللها دويتشه بنك إلى أن جميع مشتريات الذهب من قِبَل البنوك المركزية منذ الأزمة جاءت حصراً من بنوك الاقتصادات الناشئة.
وقد رافق ذلك تراجع لافت في مكانة الدولار؛ إذ انخفضت حصته من احتياطيات البنوك المركزية العالمية من أكثر من 60% إلى نحو 40%، فيما ارتفعت حصة الذهب من حوالي 10% في تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 30% اليوم.
وتلفت الاستراتيجية الاقتصادية في البنك، مالليكا ساشديفا، إلى أن "الفجوة بين حصة الدولار والذهب في الاحتياطيات باتت لا تتجاوز 10 نقاط مئوية، وهو أمر بالغ الدلالة".
منطق الأمن المالي.. درس موسكو لا يُنسى
يرى البنك أن الدافع الجوهري وراء هذه الموجة من شراء الذهب هو منطق الأمن المالي، لا مجرد التحوط من التضخم. وقد جاء تجميد احتياطيات روسيا الدولارية واليوروية عام 2022 تذكيراً صارخاً بأن الأصول الاحتياطية التقليدية قد تكون عرضة للعقوبات والتجميد.

أما الذهب، فيمتلك ميزةً لا يملكها أي أصل مالي آخر: يمكن تخزينه محلياً بمعزل عن أي سلطة خارجية، وهو ما يجعله درعاً فعلياً في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.
ولفت البنك إلى أن الدول الناشئة الأقرب جغرافياً وعسكرياً إلى الصين وروسيا تحتفظ في المتوسط بحصص أعلى من الذهب في احتياطياتها، مقارنةً بالدول المندمجة في المنظومة الغربية.
المحاكاة والأرقام: كيف يبلغ الذهب الـ8000 دولار؟
تُظهر المحاكاة التي أجراها البنك أنه حتى لو تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي للاقتصادات الناشئة من 8 تريليونات دولار إلى 5 تريليونات، فإن استهداف تخصيص 40% من تلك الاحتياطيات للذهب كافٍ لدفع أسعاره نحو مستوى الـ8000 دولار. (The Deep Dive) وهذا يعني ارتفاعاً يناهز 80% عن المستويات الراهنة.
ولا يقتصر المشترون على القوى الكبرى التقليدية كالصين والهند وروسيا وتركيا، بل تتسع دائرة الطلب لتشمل كازاخستان والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر والإمارات العربية المتحدة، في مؤشر على أن الظاهرة باتت بنيوية لا ظرفية.
توقعات قريبة المدى.. صاعدة بدورها
في السياق ذاته، رفع دويتشه بنك توقعاته لمتوسط سعر الذهب إلى 3139 دولاراً للأونصة في 2025 و3700 دولار في 2026، مستنداً إلى تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية ومخاوف الركود في الولايات المتحدة.
وفي مراجعة لاحقة، رفع البنك توقعه لمتوسط 2026 إلى 4450 دولاراً، متوقعاً نطاقاً للتداول بين 3950 و4950 دولاراً.
الذهب.. مقياس لأفول عصر
يتوافق هذا التصور مع ما باتت تراه الأسواق على نطاق واسع، من أن الذهب قد يكون المستفيد الأكبر من حركة تراجع هيمنة الدولار، مع استمرار تآكل الثقة في الأصول المقومة بالعملة الأمريكية.
وقد أثبت استطلاع مجلس الذهب العالمي أن حالة عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية تتصدر قائمة العوامل التي تدفع البنوك المركزية إلى تعزيز حيازاتها.
لم يعد الذهب مجرد معدن نفيس؛ بل أصبح مقياساً لمدى تراجع الثقة في نظام مالي دولي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية وبدأ يبحث، اليوم، عن توازن جديد.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك