الملك تشارلز يزور البيت الأبيض بعد نصف قرن من تغيير معادلة التحالفات
في أكتوبر 1977 زار ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز الولايات المتحدة في زيارة رسمية طويلة شملت عدة مدن أمريكية، وخلالها تداولت الصحف صوره مع الرئيس جيمي كارتر في سياق العلاقات الأطلسية القوية زمن الشاه الإيراني. لم تُسرَد الزيارة حينها كحدث انقلابي أو مفصل في تاريخ الشرق الأوسط، لكنها عُلِّقت في ذاكرة البعض كـ“زيارة البيت الأبيض قبل سقوط إيران”، لأنها تسبق بسنوات قليلة الثورة الإسلامية في طهران، ثم أزمة السفارة الأمريكية الرهيبة.
قبل 1979: زيارة ولي العهد في زمن الشاه
زيارة تشارلز إلى الولايات المتحدة في 1977 كانت جزءًا من سلسلة لقاءات رسمية ضمن الشبكة البريطانية–الأمريكية، لا كحدث مستقل يُغيّر خرائط السياسة. التقارير تذكره في شيكاغو، أطلانطا، لوس أنجلوس، وخارطة أخرى من المدن، وسط حفاوة رسمية وحضور جماهيري، لكنها لا تصف لقاءه مع كارتر كـ“قمة تاريخية”، بل كتظاهرة طبيعية من تواصل الحلفاء.
ومع ذلك، كان ذلك في ذروة الاعتماد الأمني الأمريكي على نظام الشاه، وعمر الشراكة بين واشنطن وطهران كان لا يزال في ذروته، قبل أن تكشفه أزمة الرهائن بعد عامين.
الثورة وأزمة السفارة: الزلزال الذي أعقب الزيارة
في 1978 بدأت احتجاجات حاشدة في إيران ضد نظام الشاه، انتهى بها المطاف بإسقاطه في فبراير 1979 وعودة آية الله الخميني من المنفى وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة ولاية الفقيه.
كانت هذه اللحظة نكسة كبرى للنفوذ الأمريكي في المنطقة، وصُوّرت في الغرب كـ“انقلاب” ضد الحليف الاستراتيجي. وفي 4 نوفمبر 1979، اقتحم مجموعة من الطلاب المحسوبين على الثورة السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا 52 موظفًا رهائن لمدة 444 يومًا، في أزمة تُعد من أطول الأزمات الدبلوماسية في التاريخ الحديث.
لم تكن هناك علاقة مباشرة بين زيارة تشارلز إلى البيت الأبيض وزمن الشاه وبين الانفجار الداخلي في إيران، لكن التتالي الزمني يعطي للحدث بُعدًا دلاليًا: بيت الأبيض الذي استقبل ولي العهد البريطاني في أجواء حلفية، شهد بعد سنوات قليلة أطول أزمة رهائن في تاريخه، وانهيار حليف استراتيجي كان يُعد في وقت سابق حجر الزاوية في السياسة الأمريكية بالمنطقة.
2026.. العودة إلى البيت الأبيض في ظروف غير مواتية
اليوم، وبعد نحو خمسين عامًا، يعود الملك تشارلز الثالث إلى البيت الأبيض، لا كولي عهد صغير، بل كملك دولة كبرى، في زيارة دولة رسمية تشمل لقاءات مع الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، و سوف يلقي خطابا أمام الكونغرس، و وتدور نقاشات حول ملفات الشرق الأوسط، من أزمة الرهائن الحالية إلى شن حرب على إيران.
المفارقة التاريخية واضحة: الزيارة الأولى تأتي في أوج التحالف بين أمريكا والشاه، بينما العودة الثانية تُجرى في سياق حرب وتوتر حاد مع النظام الإيراني نفسه الذي نشأ في ظل رد فعل على ذلك التحالف.
الصورة تُعيد ربط بريطانيا بالبيت الأبيض في لحظة مفصلية جديدة، لكنها هذه المرة لا تُحاط بهالة ثقة مطلقة، بل بهامش شكوك وسجالات حول مستقبل التحالفات، ودور أوروبا، وحدود التدخل في الشرق الأوسط.
بينما يُستعاد في بعض المقالات العربية التذكير بأن “زيارة تشارلز للبيت الأبيض في 1977” سبقت زلزال إيران، فإن التاريخ يُذكّرنا بأن الزيارة نفسها لم تكن السبب، بل كانت واحدة من المشاهد في خلفية حقبة انتهت، وانكسرت فيها معادلة القوة القديمة، وانتهى البديل منها إلى صراع ممتد حتى اليوم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك