من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

هل خروج الإمارات من أوبك يضمن تعويض خسائرها الاقتصادية؟

القاهرة: خالد بيومي
هل خروج الإمارات من أوبك يضمن تعويض خسائرها الاقتصادية؟

تسعى الإمارات، تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد، إلى تعويض الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبدتها أثناءالحرب الإيرانية، عبر الرهان على قوة النفط وزيادة إنتاجه إلى أقصى طاقة ممكنة تقترب من 4.5 مليون برميل يوميًا، بل وتتجاوزها في التصريحات الرسمية لتصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد الحالي.

يُنظر إلى هذه الخطوة ليس كإصلاح تكتيكي بسيط، بل كاستراتيجية سيادية طويلة الأجل تهدف إلى استغلال الوضع الانتقالي في سوق الطاقة العالمية قبل أن تكتمل التحولات نحو النفط النظيف والطاقة البديلة.


خطط التوسع النفطي


منذ عام 2022، وجَّه محمد بن زايد شركة الإمارات الوطنية للبترول «أدنوك» بتسريع خطة رفع الإنتاج إلى 5 ملايين برميل يوميًا بحلول 2027، بدلًا من الهدف السابق المُحدَّد في 2030.

هذه الخطوة تشير إلى تحوّل واضح من نهج انتقائي رصين إلى تبني أكثر حزمًا لسياسة توسّعية في الإنتاج، خاصة مع توقّعات استمرار الطلب العالمي على النفط على المدى القريب–المتوسط.

في الوقت نفسه، تُشير التقارير الرسمية إلى أن الإمارات رفعت سعتها الإنتاجية المؤكدة من نحو 4.5 إلى ما يقارب 4.85 مليون برميل يوميًا، ما يضعها عند حدود قصوى قريبة من الطاقة التي أعلنت عنها في الخطاب السياسي والأمني.

تعويض الخسائر الاقتصادية

الحروب والمواجهات الجيوسياسية الممتدة منذ سنوات، إلى جانب التداعيات الاقتصادية المتعددة من جائحة وانعكاسات التضخم العالمي، ساهمت في تراجع عوائد متنوعة على الاقتصاد الإماراتي، خصوصًا في قطاعات الاستثمار الخارجي والسياحة والخدمات اللوجستية ولذلك فإن الزيادة في إنتاج النفط تعد بمثابة «صك إنقاذ» سريع نسبيًا، لأنّ كل برميل إضافي يُباع في السوق العالمية يُترجم مباشرة إلى إيرادات نقدية إضافية تُشغَّل في مشاريع البنية التحتية، والدعم الاجتماعي، وإعادة التوازن المالي للدولة.

كما أن النفط يبقى محفورًا في قلب استراتيجية أبوظبي للحفاظ على نفوذ اقتصادي ودبلوماسي في آسيا وأوروبا، خاصة مع تزايد الاعتماد الصيني–الهندي على الخام الخليجي.


مخاطر سوق الطاقة والانفصال عن التحالفات


مع ذلك، فإن الاتجاه الواضح نحو زيادة الإنتاج بوتيرة سريعة وبدون مواءمات دقيقة مع التحالفات النفطية الكبرى مثل «أوبك» و«أوبك+» يضع الإمارات في مواجهة مباشر مع مخاطر سوق الطاقة.


فالتحالفات النفطية تُعدّ الدرع الجماعي الذي يساعد على تثبيت الأسعار ومنع «الانهيار السريع» للسوق في حال زيادة المعروض فوق مستوى الطلب. عندما تتحرك دولة رئيسية مثل الإمارات باتجاه مستقل وتزيد إنتاجها بشكل ملحوظ، قد تُفسَّر خطوتها في السوق العالمية كمحاولة «إغراق» السوق، ما يضغط على أسعار النفط ويقلل هامش الربح لكل البراميل المنتَجة، بما فيها الخاصة بالإمارات نفسها.

الانفصال عن التحالفات أو التقليل من التزامها يعني أيضًا أن أبوظبي تفقد جزءًا من الحماية السياسية التي توفرها هذه المجموعات. في اللحظات الحرجة، كأن تشهد الأسواق اضطرابات بسبب تغيُّرات في الطلب العالمي أو ظهور اتفاقات جديدة للطاقة النظيفة، لا تجد الإمارات نفسها مضمنة في قرارات تُحدّد قواعد اللعبة باشتراك عربي–خليجي تقليدي، بل تُصبح في موقع متقدّم لكن أكثر انكشافًا، يعتمد على قدرتها على التنبؤ بالسوق وقوة شبكاتها الاقتصادية مع الصين والهند والغرب.


توازن بين الاستقلال والثبات


في السياق ذاته، لا تبدو الإمارات متجهة بشكل كامل إلى العزلة أو إلى الانفصال الكامل عن التحالفات، بل تسعى إلى توازن جديد: الحفاظ على عضويتها في «أوبك» أو على الأقل في فضائها السياسي، مع كسب أكبر قدر ممكن من استقلال القرار في تحديد مستويات الإنتاج وفقًا لحساباتها الذاتية.

تقول روايات رسمية وخبراء اقتصاديين إن أبوظبي تسعى إلى أن تكون «لاعبًا مستقلًا داخل السوق» بدلًا من أن تُعامل كبندٍ إضافي في قوائم الحصص.

هذا يمنحها مرونة في التفاوض مع الشركاء التجاريين، ويعزز من قدرتها على تأمين عقود طويلة الأمد مع شركات آسيوية وغربية، بناءً على قدرتها على ضخ حجم أكبر من النفط لأطول فترة ممكنة.

على الجانب المقابل، تُحذّر دراسات تحليلية من أن الإفراط في هذا النموذج قد يُضعف قدرة الإمارات على التأثير الجماعي في بناء سياقات جديدة للنفط في الشرق الأوسط، ويُقلّص من قدرتها على فرض إطار جماعي يحمي الأسعار في ظل تغيرات مناخية وسياسات طاقة دولية أكثر تشددًا. فالانسجام مع التحالفات النفطية كان يوفّر لدولة مثل الإمارات، ذات الاقتصاد المتنوع، غطاءً سياسيًا واقتصاديًا يساعد على إدارة التحولات دون تقلبات حادة في الدخل العام.

 بين الإنقاذ والرهان

في النهاية، يمكن القول إن قرار محمد بن زايد المتمحور حول زيادة إنتاج النفط إلى طاقته القصوى هو رهان كبير يجمع بين الإنقاذ الاقتصادي والبحث عن هالة سيادية جديدة في سوق الطاقة العالمية.

الزيادة في الإنتاج قد تُجنّب الإمارات أسوأ ما يمكن أن تُخلفه الحرب والاضطرابات الجيوسياسية من تراجع مالي، لكنها تُعرّضها في المقابل لضغوط سوقية ومخاطر سياسية أكبر، في ظل حالة شبه انفصال عن التحالفات التي كانت تُعدّ الناقل الجماعي لحماية الأسعار والسيادة الجماعية.

وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف تحافظ الإمارات على استقلالها في الإنتاج دون أن تفقد قدرتها على التأثير في تشكيل قواعد اللعبة العالمية للنفط؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8458
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.