أنشودة أطلال العِبَر
لَدَهْرٍ مَآثِرُ في صَفَائِحِ مُهْنَدِ
تَلُوحُ كَوَشْمِ السَّيْفِ في كَفِّ مُتْقِدِ
تَعَاقُبُ فَجْرٍ وَاللَّيَالِي كَأَنَّهَا
تُعِيدُ لِمَجْرَى النَّجْمِ دَوْرَةَ مُبْتَدِ
تَغَيَّرَ وَجْهُ الأَرْضِ غَيْرَ مَرَّةٍ
وَمَا انْفَكَّ سَيْفُ الغَدْرِ عَنْ كَفِّ مُعْتَدِ
كَأَنَّ اللُّيُوثَ الهَائِجَاتِ تَنَاطَحَتْ
بِمَا نَطَحَتْهُ الأَوَّلُونَ بِمَشْهَدِ
وَمَا زَالَ في الأَيَّامِ سَيْفٌ مُجَرَّدٌ
يُعِيدُ دِمَاءَ القَوْمِ في السَّيْلِ مُبْرِدِ
وَكَمْ مِنْ مُلُوكٍ قَدْ رَأَيْنَا صُرُوعَهُمْ
تَسِيرُ بِهِمْ رِيحُ الرَّدَى كَالمُبَدِّدِ
فَإِنْ كَذَّبَتْكَ العَيْنُ فَاسْأَلْ سُيُوفَهُمْ
بِمَاذَا أَجَابَتْ لِلْحُسَامِ المُجَرَّدِ؟
أَيُبْصِرُهَا تَفْنَى الرِّجَالُ وَعَهْدُهُمْ
وَأَمْضِي كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ في المَوْعِدِ؟
تَصَرَّفَ دَهْرٌ بِالعِبَادِ وَأَوْجُهٍ
فَمَا عَادَ وَجْهُ الأَرْضِ يُبْصِرُ مِنْ غَدِ
فَمَا بَالُ مَنْ غَنَّى بِوَعْدِ كَرِيمَةٍ
يَرَى الوَعْدَ في الأَيَّامِ غَيْرَ مُؤَكَّدِ
وَمَنْ يَثِقُ الوَثَبَاتِ إِنْ كَانَ ظِلُّهُ
يَمِيلُ إِذَا مَالَتْ رِيَاحُ المُهَوِّدِ
تَصَرَّفَ دَهْرٌ بِالعِبَادِ وَلَمْ تَزَلْ
سُيُوفُ الخَنَا في كَفِّ بَاغٍ وَمُعْتَدِ
فَأَيْنَ فِرَارُ الحُكْمِ مِنْ نَفَرٍ سَعَى
إِذَا كَانَ يُسْقَى المَوْتَ في كُلِّ مَشْهَدِ؟
أَيُبْقَى رَهِينَ الدَّهْرِ مَنْ جَاءَ سَالِكاً
طَرِيقاً تَمَادَتْ فِيهِ خَيْلُ الأَوَابِدِ؟
وَهَلْ يَتَّقِي السَّيْلَ الجَرِيءَ بِخِفَّةٍ
وَقَدْ لَطَمَتْهُ المَوْجَةُ المُتَفَرِّدِ؟
فَمَنْ يَبْتَغِ الخُلْدَ المَنِيعَ فَإِنَّهُ
كَمَنْ يَتَّقِي ظِلاً بِوَهْجِ التَّوَقُّدِ
سَتُقْبِلُ هَذِي الرِّيحُ تَقْتَلِعُ الَّذِي
غَوَى وَإِنِ اشْتَادَ الصَّرْحَ غَيْرَ مُمَرَّدِ
فَلَا السَّيْفُ يُبْقِي لِلْمُلُوكِ سُلَافَةً
وَلَا التَّاجُ يَحْمِي الرَّأْسَ مِنْ قَيْظِ مَوْعِدِ
وَكَمْ مِنْ فَتًى سَارَتْ إِلَيْهِ رِمَاحُهُ
فَسَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَعَادَ لِمَرْقَدِ
وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا مَوْجَةٌ في فَضَائِهِ
فَمَنْ رَكِبَ الأَمْوَاجَ لَمْ يَخْشَ مُزْبِدِ
فَكَمْ مِنْ فَتًى نَازَعَتْهُ اللَّيَالِي
فَصَارَ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ المُسَوَّدِ
وَمَا النَّاسُ إِلَّا مِثْلُ ظِلٍّ لِسَائِرٍ
يَمُرُّ وَيَفْنَى في مَدَى المُتَبَدِّدِ
فَمَنْ جَعَلَ الأَيَّامَ زَاداً لِرِحْلَةٍ
فَقَدْ نَجَا وَاسْتَبْصَرَ المُتَجَلِّدِ
وَلَا خَيْرَ في مَنْ يُرْهِفُ السَّمْعَ لِلأَسَى
وَيَشْكُو الَّذِي يَجْرِي بِفِكْرٍ مُقَيَّدِ
فَإِنَّكَ يَا ابْنَ الأَرْضِ مَا دُمْتَ سَالِكاً
سَبِيلَ الَّذِي قَدْ سَارَ فَاسْلُكْ بِمَقْصِدِ
وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا فَأَدْرَكَهُ الرِّضَا
فَذَاكَ الَّذِي فَازَ الفَوْزَ المُمَجَّدِ
أَتَحْسَبُ أَنَّا لَنْ نَرُدَّ سِهَامَكُمْ
وَنَبْقَى كَمَنْ قَدْ أَذْعَنَ المُتَرَدِّدِ؟
فَإِنْ كُنْتَ تَجْرِي بِالأُولَى كَمَا انْقَضَوْا
فَكَمْ مِنْ جَبِينٍ سَوْفَ يُرْمَى بَجَلْمَدِ
فَأَجَابَنِي الدَّهْرُ: اسْأَلِ الرِّيحَ كَيْفَ تَرَى؟
أَتَحْمِلُ حِمْلاً أَمْ تَمُرُّ بِمُجْرِدِ؟
وَكَمْ قَدْ دُعِيتَ الظَّالِمَ الحَكَمَ الَّذِي
يَرُدُّ بِلَا عَقْلٍ وَيُصْغِي لِمُفْسِدِ
أَنَا النَّفْخَةُ الأُولَى وَصَدَى جَرَائِمٍ
وَأَنْتُمْ لِمَنْ قَدْ كَانَ أَشْبَاهُ مُولِدِ
فَهَتَفْتُ: يَا دَهْرُ أَرَاكَ مُعَاوِداً
خُطَاكَ وَقَدْ كُنْتَ الفَنَاءَ بِمَوْقِدِي
وَإِنْ كَانَ في القَوْمِ الوَفَاءُ فَإِنَّهُ
بِمَا يَرْفَعُ الأَحْلَامَ لَيْسَ بِمُبْتَدِ
لِخَيْلِ الدُّنَا نَفْحُ الرِّيَاحِ المَهَبِّدِ
وفي رَكْضِهَا وَجْهُ الفَنَاءِ المُجَلَّدِ
أَلَسْتُ إِذَا جَالَ الزَّمَانُ بِأَهْلِهِ
أُبْصِرُ في الأَيَّامِ دَارَ المُشَرَّدِ؟
وَأُدْرِكُ أَنَّ الدَّهْرَ لَيْسَ بِقَادِرٍ
عَلَى صَرْفِ مَا في الكَوْنِ إِلَّا لِمُهْتَدِ
فَهَلْ من نَجَاءٍ في مَسَالِكِ أُمَّةٍ
تَسِيرُ إِلَى التَّهْلَاكِ في المُتَعَمَّدِ؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك