قراءة في الأبعاد الخفية لاختبار مصر لحدود الردع الإسرائيلي.
في الأسبوع الأخير من أبريل 2026، وعلى شريط ضيق من الرمال لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات، كتب الجيش المصري فصلاً جديداً في تاريخ العلاقة مع إسرائيل، ليس بالكلمات أو البيانات الدبلوماسية، بل بلغة الميدان والذخيرة الحية. فالمناورات التي نفذتها القوات المسلحة المصرية على مسافة مئة متر فقط من السياج الحدودي لم تكن مجرد تدريبات عسكرية عابرة، بل كانت حدثاً جيوسياسياً متعدد الأبعاد، يحمل في طياته رسائل معقدة إلى تل أبيب وواشنطن وعواصم الإقليم. فمصر التي أتقنت على مدى عقد من الزمن فن إدارة الأزمات بثبات وهدوء، اختارت هذه المرة أن تتحدث بصوت القوة، وأن تختبر حدود المسموح في اتفاقية كامب ديفيد، دون أن تصل إلى نقطة اللاعودة.
ما يجعل هذه المناورات مختلفة وأعمق مما يبدو هو تفاصيلها الفنية التي تتجاوز بكثير مجرد اقتراب الدبابات من السياج. فلم تكن التدريبات مجرد تحرك لآليات مدرعة، بل كانت عمليات قتالية متكاملة اشتملت على ثلاثة عناصر جوهرية غيرت المعادلة. فالعنصر الأول هو الرماية بالذخيرة الحية، وهو ما يعني أن القوات المصرية كانت تطلق النار فعلياً باتجاه أهداف قريبة جداً من الحدود، في مشهد لم تشهده المنطقة منذ عقود. والعنصر الثاني هو محاكاة سيناريوهات الاقتحام، مما يشير إلى أن التدريبات كانت تحاكي هجوماً نظامياً وليس مجرد دفاع عن الحدود. والعنصر الثالث، وهو الأكثر إثارة للقلق من منظور إسرائيلي، يتمثل في استخدام أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى مثل "إتش كيو-9 بي" الصينية، وهي أسلحة لا تُستخدم في عمليات مكافحة الإرهاب التقليدية، بل في مواجهة قوات جوية نظامية. هذا المزيج غير المسبوق من الأسلحة والسيناريوهات هو الذي حمل الرسائل الاستراتيجية التي أقلقت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وأثار تساؤلات تتجاوز التوقيت إلى جوهر التحولات الكبرى التي يعيشها الشرق الأوسط.
إن قراءة هذه المناورات بمعزل عن سياقها الأوسع ستكون قاصرة. فالحدث يأتي في لحظة مفصلية من تاريخ النظام الإقليمي، حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية وتنشغل واشنطن بحربها مع إيران، وحيث تتشتت الانتباهات بين هرمز وقبرص وأوكرانيا. هذا الفراغ النسبي خلق بيئة مواتية لدول إقليمية طموحة تسعى إلى إعادة تعريف مساحات مناورتها، وكانت مصر في طليعة هذه الدول. غير أن ما فعلته القاهرة كان أكثر دقة من مجرد استغلال فرصة عابرة، إذ شكل جزءاً من استراتيجية تراكمية بدأت قبل سنوات، وتوجت الآن بهذا الاختبار الميداني.
منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، اتبعت مصر سياسة عسكرية تقوم على محورين متوازيين: تحديث القدرات وتوسيع هامش المناورة في سيناء. فبينما كانت القوات المسلحة تخوض حربها ضد الإرهاب في شبه الجزيرة، كانت تعيد بناء بنيتها التحتية وتنشر وحدات في مناطق كانت تعتبر محظورة بموجب الملاحق الأمنية لاتفاقية كامب ديفيد. فكل خطوة كانت مدروسة، وكل انتشار كان محسوباً، بحيث لا يصل إلى حد الاستفزاز المباشر، غير أنه يوسع تدريجياً المنطقة الرمادية التي يمكن للجيش المصري التحرك فيها. وإسرائيل، بأجهزتها الاستخباراتية، كانت ترصد هذا التراكم، وتضيفه إلى تقييماتها الأمنية السنوية، لكنها ظلت تراهن على أن مصر لن تقدم على تحول نوعي يغير قواعد الاشتباك على الحدود. وهذا الرهان سقط في أبريل 2026.
إن ما يثير القلق الإسرائيلي حقاً ليس فقط ما حدث، بل ما قد يحدث بعده. فالمناورات فتحت باباً لاحتمالات جديدة، أهمها أن مصر قد تكون بدأت مرحلة من "إعادة تفسير" المعاهدة وفقاً لمصالحها المتغيرة. فالاتفاقيات، في نهاية المطاف، ليست نصوصاً جامدة، بل هي توازنات قوى جُمّدت في لحظة زمنية معينة. وعندما تتغير الظروف، كما تغيرت الآن بتراجع النفوذ الأمريكي وصعود أقطاب إقليمية جديدة، فإن الدول تميل إلى اختبار حدود هذه النصوص، وتوسيع تأويلاتها بما يتناسب مع مكانتها الجديدة. وهذا بالضبط ما تفعله مصر اليوم: إنها تختبر إلى أي مدى يمكنها أن تضغط على الإطار القانوني القائم قبل أن يصدر رد فعل دولي أو إسرائيلي يوقفها.
من زاوية نفسية واستراتيجية، تحمل المناورات رسالة مزدوجة إلى تل أبيب. فالرسالة الظاهرة هي أن الجيش المصري قادر على الاقتراب من الحدود والتدرب على اقتحامها، وأن الهدوء الذي اعتادت عليه إسرائيل لعقود لم يعد مضموناً. أما الرسالة الخفية، وهي الأكثر إزعاجاً، فتفيد بأن معادلة الردع التي كانت أحادية الجانب لصالح إسرائيل بدأت تتحول إلى معادلة أكثر توازناً. فطوال عقود، كانت إسرائيل هي الطرف الذي يملك قدرة الردع والتلويح بالقوة، وكانت مصر تلتزم بالحدود المنصوص عليها. أما اليوم، فقد باتت القاهرة تمتلك أدوات الردع الخاصة بها، وأصبحت قادرة على إيصال رسائلها مباشرة، دون وساطة أمريكية أو أوروبية. وهذا التحول في الميزان النفسي قد يكون له آثار بعيدة المدى على كيفية تعامل إسرائيل مع مصر في المستقبل.
وينبغي التوقف عند دلالة استخدام كلمة "العدو" في التدريبات، وهي التسمية التي لم تستخدمها القوات المسلحة المصرية في مناوراتها السابقة عند الإشارة إلى الخصم التدريبي. فاختلاف التسميات ليس مجرد تفصيل لغوي، بل هو مؤشر على تحول في التصور الاستراتيجي. فحين كان الجيش المصري يحارب الإرهاب، كان الخصم يُسمى "إرهابياً" أو "عناصر متطرفة". أما حين يحاكي سيناريو اقتحام ويستخدم أسلحة ثقيلة وأنظمة دفاع جوي ويطلق رماية حية على بعد مئة متر من حدود دولة جارة، فإن تسمية الخصم بـ"العدو" تحمل دلالة واضحة على طبيعة السيناريو المفترض. وهذا التغير في اللغة قد يكون الأكثر دلالة على التحول الاستراتيجي الذي تعيشه المؤسسة العسكرية المصرية.
بطبيعة الحال، لم تكن مصر لتقدم على هذه الخطوة لولا حساباتها الدقيقة للردود المحتملة. فإسرائيل، الغارقة في مواجهاتها على عدة جبهات من غزة إلى لبنان إلى الضفة الغربية، ليست في موقع يسمح لها بفتح جبهة جديدة مع أقرب جيرانها العرب. كما أن أمريكا، التي تعاني من الإنهاك في حرب الخليج وتراجع نفوذها، ليست في وارد إدارة أزمة دبلوماسية بين حليفين رئيسيين. وهذه الحسابات هي ما منحت مصر مساحة من الأمان لتنفيذ مناوراتها دون خوف من رد فوري. لكن السؤال الأصعب هو: ماذا لو تكررت هذه المناورات؟ وماذا لو ازدادت وتيرتها ومداها؟ فهل ستظل إسرائيل صامتة، أم أن تراكم هذه الاستفزازات المحسوبة قد يصل في النهاية إلى نقطة اللاعودة؟
في هذا السياق، يمكن النظر إلى المناورات كجزء من استراتيجية مصرية أوسع لموازنة النفوذ الإقليمي في منطقة تشهد تنافساً محتدماً بين قوى كبرى وصاعدة. فتركيا توسع وجودها العسكري في شمال العراق وسوريا، وإيران تواصل تحدياتها للعالم من خلال هرمز والملف النووي، وإسرائيل تعمق تطبيعها مع دول خليجية، والسعودية تنفتح على الصين. وفي هذا المشهد المتشابك، تختار مصر أن تتحرك حيث تشعر أنها الأقوى، أي على حدودها الشرقية. فالرسالة ليست موجهة إلى إسرائيل فقط، بل إلى كل اللاعبين الإقليميين، ومفادها أن القاهرة تمتلك أدواتها الخاصة، وأنه ينبغي أخذها في الاعتبار في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
هكذا، لم تكن مناورات سيناء مجرد رد فعل على ظرف طارئ، بل كانت محطة في مسيرة طويلة من بناء القوة وإعادة تعريف العلاقات. وما حدث على بعد مئة متر من السياج قد يبدو في الظاهر مجرد تدريبات عسكرية، لكنه في جوهره كان اختباراً لحدود الردع الإسرائيلي، ومقدمة محسوبة لمرحلة جديدة من العلاقة بين الجارين اللذين يملكان اثنتين من أثقل القوى العسكرية في المنطقة. فمصر، التي أتقنت فن الصبر الاستراتيجي، أظهرت أنها تعرف أيضاً متى تتحدث بصوت الحزم، ومتى تختبر حدود المسموح.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك