من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رغيف ولكن..

حمدي البطران
رغيف ولكن..



منذ أكثر من ثمانين عاما قال الشاعر حافظ إبراهيم: عض قلبي ولا تعض رغيفي. 

الآن هناك من عض قلب المواطن المصري، ورغيفه، في آن واحد. وصار المواطن الذي كان يأكل أربعة أرغفة من الخبز البلدي لا تكفيه عشرة من الخبز البلدي الذي تنتجه المخابز حاليا.

تبذل الحكومة كل جهودها من اجل توفير الخبز وتتحمل في سبيل ذلك مبالع طائلة نظير أن يحافظ الرغيف على سعره الثابت والذي أصبح في متناول جميع الناس. 

مر الخبز بمراحل عديدة في مصر، متطورا مما كان يعرف بالبتاو المصنوع من قيق الذرة والشامي، حتى عرفنا الخبز الأبيض والفينو وأصبح يباع في بعض محلات السوبر ماركت مغلفا في عبوات فخمة. 

كما عرفنا الخبز السوري الذي انتشر انتشارا واسعها في المطاعم. 

ومن الفرن البلدي والوقود النباتي الجاف ومحلفات المواشي الى أفران الغاز والكهربا. 

كما مرت صناعة الدقيق أو الطحين من الرحاية المصنوعة من الأحجار، الى المطاحن التي تعمل بالقوى المحركة، وتنوعت وسائل التخزين من الصوامع المصنوعة من الطين اعلى بيوت الفلاحين، التي لا تتسع إلا لبضع كيلات، الى الصوامع الهائلة المكيفة والمبردة والتي تحافظ على محصول طوال العام دون أي فقد ذكر. وتتسع لألاف الأطنان من القمح.

ربما كانت مصر واحدة الدول التي تعتمد في غذائها على الخبز والقمح، رغم مساوئه الصحية على الناس فوق الأربعين، وما يسببه من زيادة نسبة السكر. 

لأننا في مصر نعتبر أن الخبز مادة أساسية في بيوتنا، ولا يتحقق لنا المن الغذائي إلا بوجوده، كما معظم الطبقة المتوسط والأقل منها يعتبر الخبز مادة رئيسية تحقيق الشبع من الجوع، مع ارتفاع أسعار المواد المالئة مثل الطعمية والجبن والخضروات واللحوم والأسماك. ويعض نقس باقي الأطعمة من لحوم ونشويات.

ولا يزال رغيف الخبز متضامنا مع أصحاب المخابز ضد أي مجهودات للحكومة لتوفيره أو تحسينه، كما لا تزال كل مجهودات الدولة المبذولة لإنتاج رغيف يؤكل تذهب أدراج الرياح، بسبب جشع أصحاب المخابز وتفننهم في الكيد لأصحاب الحق في الرغيف.

وأصبح الرغيف الذي تنتجه المخابز في ظل رقابة الدولة الصارمة غير قابل للاستخدام الآدمي. ومن يقل غير ذلك فهو بلا شك لم يدخل الي قري ومراكز الصعيد ولا يعرف ما يجري هناك من الساعة السادسة صباحا حتى التاسعة. 

الرغيف ينتج في منتصف الليل، ويكدس ساخنا فوق بعضه البعض، ويباع في السابعة أو الثامنة، وعندما يصل الي المستهلك يصبح عبارة عن قطعة من العجين لا تصلح للاستخدام الآدمي. 

وبالرغم من قيام الحكومة بتدليل أصحاب المخابز وصرف الحوافز لهم فما زالوا يطمعون في المزيد على حساب المستهلكين. 

كما قامت الدولة بالترخيص لبعض المخابز ببيع الخبز الغير مدعم بأسعار مرتفعة، غير أن تلك المخابز تحصل على الدقيق المدعم بطرق غير شرعية، وتخبزه وتبيعه بأسعار غير مدعمة.

كما تشكل المطاعم المنتشرة في أنحاء الجمهورية بعيدا عن القاهرة الكبري منفذا غير شرعي لتسريب الخبز وبيعه بأسعار أعلي من السعر المدعم.

الغريب أن كل هذا يحدث تحت رقابة الحكومة الصارمة.

ربما تسببت مشاكل الحصول على الخبز، واضطرار الناس للنهوض فجرا، في الصباح الباكر، والوقوف في الطوابير التي لا تنتهي، وحدوث مشاكل اجتماعية لا مجال لسردها، كما تجددت النزاعات والصراعات بين الواقفين في الطوابير لأتفه الأسباب. 

الأمر الذي جعل مفتشي التموين يبذلون طاقة تفوق ما يبذله رجال المخدرات في البحث عن أجوله الدقيق وكميات الخبز المخبأة بمعرفة أصحاب المخابز.  

ولا أعرف لماذا لا تطبق الحكومة ما سبق أن طبقته في حل مشكلة التليفونات والمواصلات والمياه والكهرباء والصرف الصحي، وتقوم بإسناد عمليات إنتاج الخبز إلى شركات عملاقة تنتج كل أنواع الخبز. المدعم والطباقي والكيزر وغيره، بالإضافة إلى الخبز الشعبي بسعر بسيط. فيستطيع القادر أن يشتري رغيف محسن، ويشتري الغير القادر الرغيف العادي. مع توفير كميات من الدقيق البلدي بالأسعار الحرة لمن يريد أن يخبز في بيته. 

وتوفر له منافذ لبيع بطريقة آدمية، أو تطرحه لدي البقالين ومحلات السوبر ماركت، وأن تخلق الدولة جو تنافسي بين تلك الشركات حتى لا تلجأ الى الاحتكار. 

لقد أنشأت الدولة شركات عملاقة للطحن وصناعة الدقيق، فما الذي يمنعها من إطلاق حرية الاستثمار في مجال أنتاج الخبز وتغليفه وبيعه، وتقدم الدولة للمستثمرين ربع ما تقدمه لأصحاب المخابز من حوافز، وتترك لتلك الشركات حرية استيراد الدقيق ومواد وأدوات المخابز وتقدم لهم بعض الإعفاءات الجمركية من أجل إنتاج خبز يستطيع الناس أن يأكلوه. 

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8474
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.