من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

عقيدة الصدمة والاقتصاد الحر

القاهرة : خالد شحاتة
عقيدة الصدمة والاقتصاد الحر



لا يزال اسمُ كتاب «عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث» للكاتبة والباحثة الكندية نعومي كلاين يتردد في الفضاء الإعلامي العربي، خصوصًا في أحاديث المُؤثرين  على يوتيوب والقنوات السياسية، غالبًا دون تفصيل أو عمق. 

ولكن خلف هذا العنوان الجاذب تكمن محاولة تحليل جوهرية لربط الأزمات الكبرى – من الحروب إلى الزلازل، ومن الانقلابات إلى الأزمات المالية – بفرض سياسات اقتصادية ليبرالية متطرفة، لا يمكن تمريرها في الظروف العادية، لأنها تُعيد توزيع الثروة لصالح الأغنياء، وتقضي تدريجيًا على كثير من المكتسبات الاجتماعية. 


فكرة «عقيدة الصدمة» قراءة مبسطة


تصف نعومي كلاين ما يشبه استراتيجيةً منظمة: تُستثَف الصدمة الجماعية – العسكرية أو الطبيعية أو الاقتصادية – لتمرير إصلاحات اقتصادية جذرية، مثل الخصخصة الكاملة، ورفع القيود عن السوق، وتخفيض الضرائب، وتقليل دور الدولة في تأمين الخدمات الأساسية. 

وفي لحظة الفزع والفوضى، حيث يشغَل المواطن بالنجاة والبقاء، يُستغل غياب الوعي والتنظيم، ويُقدَّم كل هذا على أنه «الإصلاح المطلوب» أو «الوصفة العلمية» التي لا تُناقَش، حتى وإن كان الثمن هو تدمير الطبقة المتوسطة، وتفكيك التعليم والصحة العامَّين، وتحويل موارد الدولة إلى قطاعات ربحية خاصة. 


من تشيلي إلى العراق: مختبرات عقيدة الصدمة


يُعد انقلاب تشيلي 1973 نموذجًا كلاسيكيًا في تحليل كلاين؛ فالانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس الاشتراكي سالفادور أليندي، وتم تأييده بشكل غير مباشر من الولايات المتحدة، لم يكن فقط فعلًا سياسيًا، بل مقدمة لتجريب برنامج «سوق حر» جاهز مسبقًا من فريق اقتصاديين على غرار ميلتون فريدمان. 

في ظل قمع وحشي، تُعطل الحريات، وتُفكّك النقابات، وتُلغى الضرائب على الشركات الكبرى، وتُخصخص موارد الدولة، ويُفتح الاقتصاد أمام الشركات الأجنبية، كل ذلك في ظلال «الصدمة» الناتجة عن الانقلاب، لترسَّخ رأسمالية قلقة غير مترددة في استخدام القوة. 

نفس المنطق يُطبَّق، في قراءة كلاين، على الغزو الأمريكي للعراق 2003؛ فالعراق يُحوَّل إلى «مختبر» لعَقيدة الصدمة: تُهدم البنى السياسية، وتُفَكّك المؤسسات، وتُلغى القطاعات العامة، ويُفتح السوق للشركات الأمريكية، وفق أفكار «الليبرالية المتطرفة»، في ظل احتلال وفوضى أمنية لا يملك خلالها المجتمع أدنى قدرة على مقاومة الإملاءات الاقتصادية. 

«رأسمالية الكوارث» في السياقات المختلفة

يشتهر مصطلح «رأسمالية الكوارث» – الذي يُنسب إلى كتاب كلاين – لوصف ظاهرة تربح الشركات الكبرى من بناء الأزمات واستمرارها؛ لا من مجرد تعويض الخسائر. 

فشركات التأمين، وشركات الأمن الخاصة، وشركات الإعمار، وشركات الطاقة، تجد في الحروب، والكوارث الطبيعية، والازدحامات الاقتصادية، أسواقًا هائلة: من بناء مدن بديلة، إلى بناء سجون، وإدارة مراكز احتجاز، وبيع موارد عامة إلى كيانات خاصة باسم «الكفاءة» و«الإصلاح». 

وحتى الكوارث الإنسانية الكبرى، مثل إعصار كاترينا في نيو أورلينز، تُحوَّل إلى مشروع اقتصادي يُعيد تشكيل مدن بأكملها، يُلغى خلاله مدارس عامة، ويُستبدَل السكن الاجتماعي بأنظمة إيجارية ربحية، وتحلّ الشركات الخاصة محل الدولة في إدارة الخدمات. 

صوتُ الصدمة في الفضاء العربي

في السياق العربي، يُستدعى مصطلح «عقيدة الصدمة» كثيرًا لفهم ظواهر تبدو متشابهة: فبعد الأزمات الاقتصادية الحادة، أو في أعقاب الحروب والتدخلات الخارجية، نرى تكرارًا لجملة من السياسات: خصخصة شركات الدولة، رفع الدعم، تقليل التأمينات الاجتماعية، و«الانفتاح على السوق العالمية»، كل ذلك في ظل ضغوط صندوق النقد الدولي، وشعارات عن «الإصلاحات الهيكلية» و«الاقتصاد الحقيقي». 

وفي دول مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، يظهر مشهد شبيه: حروب أو أزمات سياسية تُحدث صدمة جماعية، ثم تدخل شركات إعادة الإعمار، وشركات الخدمات، وشركات الطاقة، لا لبناء مجتمعات مستقرة، بل لاستثمار موارد واسعة، وفرض عقود طويلة الأجل، في وقت تضعف فيه الدولة وتُشرذم فيه القوى الاجتماعية. 

نقد اقتصادي–سياسي ملائم لتحليلك

يمكن قراءة «عقيدة الصدمة» في السياق العربي كإطار تحليلي لفهم كيفية تحويل السياسة الخارجية للدول الكبرى إلى آليات اقتصادية مُكثّفة، تتلاقى خلالها المصالح العسكرية، والشركات المتعددة الجنسيات، ومؤسسات الإقراض الدولي، لتشكيل نظام اقتصادي يُعمِّق التبعية ويُقلّص حيز السيادة. 

ومن هذا الموضع، يصير من المهم أن يتحلّل الخطاب العربي حول الكتاب، لا على أساس الإيمان أو الرفض الأبسطي، بل على قاعدة نقدية: هل تُستدعى مصطلحات كلاين لفهم واقعٍ جامد، أم تُستخدم لملء فراغ لغوي في تحليلات بالية تخلط بين الماركسيات التقليدية والخطاب الروحي، دون بنية تحليلية واقعية في الاقتصاد السياسي؟

خاتمة: تحوُّل الأزمات إلى سلعة

في النهاية، لا يطرح كتاب «عقيدة الصدمة» إجابة سحريّة عن المستقبل، لكنه يُقدّم منارةً تحليلية لفهم أن كثيرًا من الأزمات تُستغل، وإن لم تُصنع، كأدوات لتحويل الدول إلى سوق مفتوح بلا ضوابط للشركات الكبرى، تحت شعار «الاختيار الوحيد» أو «المنطق الاقتصادي الضروري». 

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8500
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.