جحا في حوار مع الذات
كانت الشمس في أوجها، ترسل أشعتها الحارقة على التراب اليابس، والهواء يلسع الجلد كلسعات صبر طويل. كان جحا يمشي ببطء على الطريق الترابي، يراقب ظله الطويل الممتد أمامه كرفيق صامت يسبق خطواته ويلاحقه في كل منعطف. فجأة توقف، وثبت قدميه على الأرض، وبدأ يخاطب الظل بنبرة نصفها تأمل، نصفها مرارة:
"لماذا تتبعني دائمًا في الضوء، وتتخلى عني في العتمة؟"
توقف عابر سبيل، مبتسمًا بدهشة، وقال:
"إنه ظلك يا جحا، لا يسمعك!"
التفت جحا إليه، وعيناه تلمعان بجدية ، وقال:
"أعلم أنه لا يسمع، لكني أخاطب فيه صفات البشر. الجميع يحبوننا حين نكون تحت الشمس، حين نلمع وننجح، حين يكون الضوء على وجوهنا. أما بمجرد أن يحل الظلام، وتضيق بنا السبل، فيختفون تمامًا كما يختفي هذا الظل بين الزوايا والركام."
أشار بيده إلى الطريق الممتد بين الظل والشمس، وأضاف:
"أنا أعاتبه الآن، لكي لا أصدم غدًا بصمت الأصدقاء، ولكي أفهم أن الوفاء لا يُقاس إلا عند الضيق. الظل صامت، لكنه صادق… أكثر صدقًا من كثير من البشر الذين يختفون عند أول غيمة."
ظل جحا واقفًا لدقيقة، والريح تحرك غبار الطريق حول قدميه، والظل يلتصق به مرة أخرى، وكأنه يقول له:
"حتى في الصمت، هناك درس ومن يختفي عند الظلام، لم يكن معنا أبدًا.".
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك