من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الأخير: جحا.. والرحيل بـ "خفة"

بقلم أحمد لملوم
الفصل الأخير: جحا.. والرحيل بـ


كان المساء يهبط على القرية كستارة رمادية ثقيلة، وجحا مستلقٍ على فراشه العتيق الذي تآكلت أطرافه، ليس لأنه مريض، بل لأنه شعر فجأة أن جسده أصبح "ثقيلاً" على الأرض، وقرر أن يجرب وضعية "الاستعداد للتحليق". تحلق حوله أصدقاؤه وجيرانه، والوجوه واجمة كما تقتضي أصول الدراما الجنائزية.

نظر جحا إلى صديقه "قاسم" الذي كان يبكي بحرقة ويمسح أنفه بطرف ثوبه، فابتسم جحا وقال بصوت متهدج لكنه ساخر:

"يا قاسم، لماذا كل هذا الضجيج؟ إنك تبكي وكأنني أنا من سيقوم بدفع فاتورة جنازتي! اهدأ يا صاحبي، فالموت ليس سوى نوم طويل دون خوف من الاستيقاظ على صوت صياح الديك أو مطالبة صاحب البيت بالإيجار."

جاء الحلاق، الذي كان يدعي الطب أحياناً، ليفحص نبض جحا. وضع يده على معصمه ونظر إلى الساعة بوقار مصطنع. سأله جحا:

"بشرني أيها الحكيم.. هل نبضي يهرول أم يمشي ببطء؟ إذا كان يهرول، فأخبره أن يهدأ، فليس هناك ما يستدعي العجلة في الوصول إلى النهاية. وإذا كان بطيئاً، فربما هو ببساطة يحاول استيعاب فكرة أنني سأتركه وأرحل."

سأله أحد الأقرباء بلهفة: "يا جحا، هل لديك وصية؟ هل تملك ذهباً مخبأً أو سراً تريد أن تبوح به؟".

تألق بريق المكر في عيني جحا للمرة الأخيرة، وعدل وضع وسادته قائلاً:

"وصيتي بسيطة.. عندما تضعونني في القبر، اتركوا لي كوة صغيرة في الجانب، ليس لأتنفس، بل لأرى وجوهكم عندما تكتشفون أن الصندوق الذي ظننتم أنني خبأت فيه ذهبي، ليس فيه سوى (فردة حذاء) قديمة، خبأتها هناك لكي لا يسرقها أحد وأنا نائم."

ضحك البعض رغم جلال الموقف، بينما استمر جحا في تأمل سقف الغرفة. وفجأة، قال: "أتعرفون ما هو أكثر ما يضحكني في هذه اللحظة؟".

سكت الجميع، فتابع: "أنا الآن في طابور، لكنه الطابور الوحيد الذي لا أخشى فيه أن يسبقني أحد. بل على العكس، أشعر بكرم عظيم وأنا أقول لكل من يقف خلفي: تفضل أنت أولاً، أنا لست في عجلة من أمري!".

ثم أغمض عينيه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، كأنه سمع نكتة لم يروها لأحد بعد. لم يرحل جحا بمرارة، بل رحل كمن ينسحب من حفلة مملة في منتصفها، تاركاً الجميع يتساءلون: هل مات حقاً، أم أنه فقط ينتظرنا في الخارج ليقول لنا: "لقد تأخرتم كثيراً في اللحاق بي!".

وفي نهاية الطريق، تتلاشى الأصوات وتغيب الشمس خلف الأسطح الطينية القديمة، تاركة الضوء الأخير يلهو بين الظلال. كل رغيف ضاع، وكل ظل تبع، وكل كرسي مكسور، وكل نبوءة عبثية. لم تكن سوى دروس خفية في فن العيش: كيف نضحك في وجه الخوف، وكيف نحتضن الفقد كما نحتضن الحب، وكيف ندرك أن السعادة ليست فيما نملك، بل في وعينا بما نحن عليه، هنا، الآن، وسط فوضى الزمان والمكان. الحياة ليست خطة مكتملة، وليست ملكًا لأحد، لكنها قصيدة تُكتب في كل ثانية، ولحظة صامتة وراء لحظة صاخبة، أعمق من أقدامنا، أعلى من رؤوسنا، وأصدق من كل الكلمات التي نحاول بها تفسيرها. كل يوم جديد هو فرصة للحياة، بكل ما فيها من ضحك وبكاء، وفقد ووجود، ورغيف ضائع وشمس تشرق دائمًا رغم كل شيء، لتؤكد أن الوجود نفسه أعظم جائزة.


النهاية...

إلي اللقاء في سلسلة جديدة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8544
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.