من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قراءة في "ظلّ يتيم في حقيبة يدي" للشاعرة أفين حمو

شاهر خضرة - شاعر وكاتب سوري – ألمانيا
قراءة في

حين تفقد الأشياء وظيفتها


لم أقرأ هذا الديوان كما يُقرأ كتاب، ولا دخلته كما يُدخل نص. حدث شيء أكثر التباساً: كأنني ألتقط أشياء صغيرة من الأرض وأضعها في جيبي، دون أن أعرف إن كانت تخصّني أم تخصّ أحداً آخر مرّ من هنا قبلي.

من الصفحة الأولى، لا تبدو آفين حمو وكأنها تكتب قصائد بقدر ما تعيد ترتيب ما تبقّى من العالم بعد أن خفّ وزنه، وصار قابلاً لأن يُحمل في يد واحدة، أو في حقيبة، أو حتى في طيّة قماش.

في قصيدة "ظلّ يتيم في حقيبة يدي" لا يبدأ النص من صورة مكتملة، بل من شيء يكاد يكون أضعف من الصورة:

"أحتفظ بمنديل جدّي

أحمله دائماً كأنه خريطة

لكنه لا يدلّني على مكان"

المسألة هنا ليست استعارة جاهزة عن الذاكرة، بل ارتباك الذاكرة نفسها. الخريطة لا تضلّل، بل تفشل في أداء وظيفتها. وهذا الفشل ليس لغوياً، بل وجودي: أن تحمل ما يفترض أن يقودك، لكنه يكتفي بأن يذكّرك أنك بلا جهة.

من هذه اللحظة، يبدأ الديوان في الانزلاق، لا نحو الحزن المباشر، بل نحو خلل دقيق في علاقة الأشياء بوظيفتها. المنديل لا يمسح، الخريطة لا تهدي، والذاكرة لا تستعيد، بل تبقى عالقة كشيء لم يُحسم.

يعود هذا الخلل بصيغة أخرى في "وصايا الفجر" (ص 13)، حين تقول:

"مرّ الزمن أمامي

حافياً مثل طفل نسي صندله"

الزمن هنا لا يُقاس ولا يُدرك، بل يُرى وهو يمر، لا كتيار بل كجسد هش يمكن أن ينسى ما يحميه. الصورة لا تزيّن الفكرة، بل تغيّر موقعها: الزمن نفسه يصبح كائناً ناقصاً، غير مكتمل.

عند هذه النقطة تحديداً، تتغيّر طريقة القراءة. لم أعد أبحث عن معنى جاهز، بل عن المكان الذي يختلّ فيه.

في قصيدة "أحجية في جيب معطفي" (ص 22)، لا تعود الأشياء مفقودة فقط، بل تصلنا ناقصة منذ البداية:

"سلمتني أمي حفنة ريح باردة

وقالت: هذه بقايا مواويلنا المكتومة"

كيف يمكن تسليم ما لا يُمسك أصلاً؟ وكيف تتحول الريح إلى شيء قابل للإرث؟ لا تشرح القصيدة هذا التناقض، بل تضع القارئ داخله. الأم لا تعطي شيئاً يمكن الاحتفاظ به، بل شيئاً يفلت من كل محاولة للثبات. هكذا يتحول الإرث من مرجع يُعوَّل عليه إلى عنصر مربك، لا يثبت معنى ولا يحفظه.


هذا الارتباك لا يتوقف عند حدود الأشياء، بل ينتقل إلى الداخل نفسه. في "طقوس المحو" (ص 53) تقول:

"أعلّق أيامي من ذيله في الهواء"

لم تعد الأيام زمناً يُعاش، بل كياناً يمكن التعامل معه كجسد. التعليق هنا ليس استعارة تزيينية، بل فعل يعمل داخل منطق النص. ما يحدث ليس إنتاج صورة، بل فكّ الصلة بين الزمن وتجربته. الأيام لا تُعاش بقدر ما تُعلّق وتُترك لتجف، كأنها شيء زائد.

عند هذه النقطة، يبدأ الديوان في الكشف عمّا كان يشتغل عليه بصمت: ليس الحنين ولا المنفى فقط، بل فقدان الثقة بوظيفة العالم، وبالمرجع الذي يمنح الأشياء معناها.

في "برق يخاف أن يولد" (ص 56)، يبلغ هذا الاختلال ذروته:

"أربط شعري برقعة من جلده الأفعواني"

ليست قوة الصورة هنا في غرابتها فقط، بل في عدم استقرارها. البرق، الجلد، الأفعى، الشعر… عناصر متباعدة تُجبر على الاجتماع داخل جملة واحدة. لا تبدو الشاعرة معنية بجمال مكتمل بقدر ما تقترب من نقطة التوتر التي تنشأ حين تفقد الأشياء حدودها الطبيعية. لهذا لا يُقرأ النص بوصفه قصيدة مكتفية بذاتها، بل كحيّز تتصادم فيه العناصر دون أن تستقر على معنى نهائي.

حتى في اللحظات التي تبدو أكثر دفئاً، كما في "أحذية الميلاد بشرائط وردية" (ص 175)، لا يختفي هذا القلق، بل يتوارى في الخلفية:

"لا يهم إن تقاسمناه فوق سرير بالمشفى الشاحب

أو تناولناه على بلاطات باردة"

الحب هنا لا يعمل كخلاص، بل كاحتمال هش لا يملك ضمانة الاستمرار. المكان يفقد أهميته لأنه لا يغيّر من هشاشة التجربة. حتى الجسد لا يعود مركزاً ثابتاً، بل حالة عابرة داخل عالم يفقد تماسكه تدريجياً.

ما يفعله هذا الديوان، بهدوء، هو سحب الأرض من تحت المفاهيم دون إعلان صريح. لا يعتمد على الصراخ أو الفضح أو الشكوى، بل يشتغل عبر إزاحة هادئة تترك الأشياء في مواقع لا تشبهها. لهذا لا يبدو النص قابلاً للقراءة ضمن تصنيفات جاهزة؛ فلا هو “تجربة أنثوية” بالمعنى المتداول، ولا “كتابة عن المنفى”، ولا حتى “قصيدة نثر” بالشكل المألوف. القراءة هنا أقرب إلى عبور فضاء مألوف في ظاهره، لكن علاقاته الداخلية مختلّة: كل شيء يمكن التعرف عليه، لكن لا شيء يؤدي وظيفته كما يُفترض.

هذا الخلل لا يظهر بوصفه حادثاً طارئاً داخل الديوان، بل بوصفه شرطاً أصلياً في بنية العالم الذي يقدّمه. لسنا أمام عالم كان متماسكاً ثم تكسّر، بل أمام عالم وُلد ناقصاً، غير مكتمل. في "ظلّ يتيم في حقيبة يدي" (ص 11–12)، لا يتوقف الأمر عند المنديل بوصفه خريطة فاشلة، بل يتعمّق في تفاصيل أدق:

"كل طيّة فيه

تشبه خطوط يديه

حين كان يمسح عن وجهي دموعاً

لا أعرف مصدرها"

هنا تفقد الدموع مرجعها. لا ترتبط بحادثة محددة ولا بحزن واضح، بل تصدر عن منطقة غير قابلة للتحديد. الشعور نفسه لا يعود قابلاً للإرجاع إلى سبب، وهو ما ينقل الديوان من التعبير عن الألم إلى منطقة أكثر تعقيداً: غياب تفسيره.

يظهر هذا الغياب بصيغة أخرى في "أحجية في جيب معطفي" (ص 22–23):

"لكن احذري أن تصير صوتك

وأن تسرق من صدرك الدفء"

يتحوّل الصوت من وسيلة تعبير إلى عنصر مهدِّد. ليس الخطر في شدّته، بل في احتمال انفلاته من موقعه، كأن الذات لم تعد تضمن ما يصدر عنها. وفي المقطع نفسه:

"تسللت جذورها إلى أعماقي

كخيوط عنكبوت داكنة لا تنقطع"

الجذور، التي يُفترض أن تمنح الثبات، تظهر هنا بوصفها حركة تسلّل خفية، لا علاقة لها بالاستقرار أو الأمان. بهذا المعنى، يبدأ الديوان في تفكيك فكرة راسخة: أن الجذور مصدر طمأنينة. على العكس، تتحول إلى عنصر قلق يعمل بصمت ويعيد تشكيل الداخل دون أن يمنحه ثباتاً.

في "الملاك تأخر قليلاً" (ص 36–37)، يتخذ الخلل شكلاً آخر، يمتد إلى العدالة والتوزيع وفكرة “الغد”. تقول الشاعرة:

"والعتّالون يصعدون من الغيم

ويهبطون إلى الأرض

كأنهم يوزعون العدل على الكائنات"

ليست هذه صورة خيالية بقدر ما هي إزاحة لمنطق العالم. العتّال يتقدّم بوصفه موزّعاً للعدالة، والغيم لا يعود علواً بل ممرّاً. يتلو ذلك وعدٌ لا يستقر:

"من أنفاسكم سيفتح بستان

ومن خطواتكم سيولد طريق"

وعد يظلّ معلّقاً، لا يرسو على يقين. يتكشّف هذا أكثر عند الوصول إلى:

"الليل كان ضيقاً

لكن أحلامنا كانت تبيضُ في الرمل" (ص 38)

الأحلام هنا لا تُنجز خلاصاً، بل تتكوّن فقط. تبيضُ، لكن لا شيء يضمن اكتمالها.

في "وصايا الفجر" (ص 13–15)، يتصاعد التوتر بين الداخل والخارج:

"في داخلي نهر

يبدل مياهه كلما ابتسمت"

النهر لا يثبت، بل يتبدّل مع حركة عابرة. الداخل نفسه غير قابل للاستقرار. ثم:

"ناداني باسمي الذي لا يعرفه أحد"

الاسم يفقد مرجعه. لا يعود علامة ثابتة، بل طبقة غير مُعلنة من الذات، موجودة دون أن تُستعمل. الهوية هنا لا تضيع فقط، بل تنقسم وتؤجَّل، وتبقى خارج الصياغة.

في "طقوس المحو" (ص 53–55)، يتحول هذا الخلل إلى موقف:

"لا أؤمن بالنظافة ونحن نغوص في بحيرات الغموض

أؤمن بالمحو"

لا تعمل الجملة كصورة، بل كاختيار. “النظافة” تُرفض بما تحمله من وعد بالترتيب، ويُستبدل بها “المحو”. لكن المحو لا يعيد إلى بداية، بل يفتح فراغاً آخر:

"نظن أن الطهارة عودة لا بداية"

الفكرة تبقى معلّقة، بلا حسم، كما لو أن النص يفضّل إبقاء المعنى في حالة عدم استقرار.

في "برق يخاف أن يولد" (ص 56–58)، يصل هذا المسار إلى نقطة كثافة عالية:

"لا أفتح صدري الثابت للسماء

كي لا تتهاوى على جسدي سفن من القبل"

تتحول القبلة من علامة حميمية إلى شيء قابل للسقوط. العاطفة تفقد أمانها. ثم:

"لن أكون انعكاسك الذي لا يؤتمن على خلاف"

تُرفض علاقة الانعكاس نفسها. لا يعود الخلل في الآخر، بل في إمكان الثقة. وفي النهاية:

"أصير برقاً

يخاف أن يولد فيقتل"

الذروة هنا لا تتعلق بالصورة بقدر ما تتعلق بما تمنعه: الولادة نفسها تصبح خطراً، والظهور فعلاً مهدِّداً.

إذا جُمعت هذه الخيوط، يظهر أن الديوان لا يعالج المنفى بوصفه مكاناً، بل بوصفه حالة داخل الأشياء. المنديل لا يشير، الصوت لا يطمئن، الجذور لا تثبّت. حتى الجسد لا يبقى مركزاً، بل حالة عابرة داخل هذا الاضطراب.

عند تتبّع مسار القصائد، لا تفقد الأشياء معناها دفعة واحدة، بل يتآكل هذا المعنى تدريجياً. في البداية، في "ظلّ يتيم في حقيبة يدي"، ما زال هناك أثر لعالم يمكن التعرف عليه: منديل، يد، دموع. غير أن هذا العالم يتصدّع من داخله. الدموع بلا مصدر، والذكرى لا تُستعاد بل تُلمس كأنها مادة.

ثم يظهر هذا التحول بوضوح في "أحجية في جيب معطفي"، حيث تتحول الأشياء من أدوات ذاكرة إلى عبء. الجيب لا يعمل كمكان بل كثقل، والأغنية لا تؤدي وظيفتها، بل يمكن أن تسلب الدفء أو تفشل في أن تكون أغنية. عند هذه النقطة يتضح خيط أساسي: الصوت لا يطمئن، بل يحمل إمكانية التهديد.

ويعود هذا الخيط في "الملاك تأخر قليلاً"، لا بوصفه امتداداً مباشراً، بل كتعويض مؤقت عبر وعد: عدالة، بستان، طريق. غير أن هذا الوعد لا يستقر. العتّالون يوزّعون العدل، لا الملائكة، والأمل لا يصدر عن نظام واضح بل عن صور متفرقة. ثم تأتي الجملة المفصلية:

"الليل كان ضيقاً

لكن أحلامنا كانت تبيضُ في الرمل"

الصورة لا تقدّم تحققاً، بل احتمالاً. البيوض لا تعني الحياة، بل إمكانها فقط. عند هذا الحد، تُغلق دائرة أولى في الديوان: ما يبدأ بدموع بلا مصدر، يستمر كأحلام بلا اكتمال.

من هنا، ينتقل الخلل إلى الداخل المباشر في "وصايا الفجر". النهر لا يهدأ داخل الجسد، والاسم يفقد وحدته، والنداء لا يأتي من الخارج بل من منطقة غير مرئية. تقول الشاعرة:

"ناداني باسمي الذي لا يعرفه أحد"

تعيد هذه الجملة فتح ما بدأ في البداية دون أن تكرره. إذا كانت الدموع بلا مصدر، فالاسم أيضاً بلا مرجع. الذات لا تبدو ضائعة فقط، بل غير قابلة للتحديد.

ويصل هذا المسار إلى تحوّله الحاسم في "طقوس المحو"، حيث لا يعود الخلل مشكلة، بل يتحول إلى خيار. تقول الشاعرة:

"لا أؤمن بالنظافة… أؤمن بالمحو"

لا يتجه النص إلى إصلاح العالم، بل إلى محوه. غير أن المحو لا يعيد ترتيب الأشياء، بل يتركها معلّقة:

"أعلّق أيامي من ذيله في الهواء"

يستعيد هذا المشهد، على نحو غير مباشر، صورة الجيب في قصيدة المعطف. هناك كانت الأشياء تُحمل، وهنا تُعلّق. في الحالتين لا يتحقق استقرار، غير أن التعليق يذهب أبعد، لأنه لا يَعِد حتى بثقل يمكن احتماله.

حتى حين يبدو أن النص يقترب من منطقة أكثر حميمية، كما في "أحذية الميلاد بشرائط وردية"، لا يختفي هذا القلق، بل يتخذ شكلاً أكثر هدوءاً. المستشفى، السرير، الكراسي المتحركة… عناصر لا تُكتب بوصفها مأساة، بل كوقائع عادية:

"لا يهم إن تقاسمناه فوق سرير بالمشفى الشاحب"

الألم يفقد حدّته، أو يتآكل بفعل التكرار. لا يعود هناك صراخ، بل قبول بارد.

وعند هذه النقطة، تتجمع الخيوط في "برق يخاف أن يولد". ما كان متفرقاً يصبح أكثر حدّة: الصوت الذي حمل إمكانية الخطر يقترب من الصمت، الجسد الذي بدا هشّاً يُحمى من السماء، والعلاقة مع الآخر تُرفض:

"لن أكون انعكاسك الذي لا يؤتمن"

إذا كانت الذات غير قابلة للتحديد، فلا يمكن أن تكون انعكاساً لأي أحد. ثم تأتي الجملة الأخيرة:

"أصير برقاً

يخاف أن يولد فيقتل"

لا تصف هذه الجملة الخلل بقدر ما تثبّته. الولادة نفسها تصبح خطراً، والوجود احتمالاً مؤذياً.

بهذا المعنى، لا يكتب هذا الشعر الألم أو المنفى بقدر ما يكتب تعثّر الأشياء في أداء وظائفها. الصوت لا يطمئن، الجذور لا تثبّت، الأحلام لا تكتمل، والبرق يخاف من ظهوره. ليس أمامنا شعر نجاة، بل نص يلامس العطب ويتركه في موضعه.

أيار – مايو 2026

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8548
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.