من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ذكرى رحيل محمد الفاتح

القاهرة : " نقاش "
ذكرى رحيل محمد الفاتح

هذه جبال رومانيا .. من هنا تسلل الأمير فلاد الثالث والملقب بدراكولا بجيشه ، ومن هنا عبر العثمانيون بقيادة محمد الفاتح الذي تمكن من قطع رأس دراكولا، ثم أكمل أحفاده المسير نحو قلب أوروبا. 

تتجدد اليوم ذكرى الفتح العظيم الكبير، فتح القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، وقلعة الأرثوذكسية، والحلم الذي ظل ثمانية قرون يراود المسلمين.. وهو الفتح الذي كتبه الله للسلطان العظيم محمد الفاتح العثماني.. وهذه واحدة من أمجد لحظات تاريخنا الكبير، ولا يزال المسلمون حتى اليوم بعد نحو ستة قرون يتنعمون بظل هذا الفتح ويجدون في هذه البلاد ملجأ لهم، وهو الفتح الذي أزال أعتى قوة صليبية وقفت في وجه الإسلام، وانساح الإسلام بعده في شرق أوروبا حتى بلغ فيينا وفتح بلاد البلقان، وهو الفتح الذي أتاح للدولة العثمانية أن تصير القوة الإسلامية العظمى العالمية حيث حملت عبء الدفاع عن المسلمين لثلاثة قرون على الأقل.

في دمشق، تولى عمر بن عبد العزيز زمام الأمور بسرعة خاطفة، فبايع الناس سليمان وسط ترحيب عارم، كأن المدينة تنفست الصعداء بعد سنوات من الشدة والصراعات. صعد سليمان المنبر في أول جمعة له، فكان صوته يملأ المسجد هدوءًا وخشوعًا، يذكّر الناس بالعودة إلى الله، ، وعدًا بعودة العدل والوئام.

لم يضيع سليمان وقتًا بمشورة عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة، انطلق في حملة إصلاح عنيفة وسريعة:

 عزل ولاة الحجاج الذين أثقلوا كواهل الناس بالظلم والجور. يزيد بن أبي مسلم، عثمان بن حيان، خالد القسري، محمد بن يوسف... جميعهم أُبعدوا، فُتحت أبواب السجون، وأُطلق سراح المظلومين، وأُعيدت الحقوق إلى أصحابها. 

وفي واسط، بعث سليمان رجلاً ليخرج أهل "الديماس" من زنازين الحجاج، فخرجوا كالأموات الذين أُعيدت إليهم الحياة، يرتدون ثيابًا جديدة، وفي مقدمتهم الواعظ البكّاء يزيد الرقاشي.

أما الفتوحات فكان سليمان يميل إلى اللين والموادعة، لكنه لم يتخلَ عن حلم كبير: 

فتح القسطنطينية، عاصمة الروم المنيعة. جهّز جيشًا هائلاً، وبنى أسطولاً جديدًا في مصر، وأمر أخاه مسلمة بن عبد الملك بقيادة الحملة البرية، انتقل هو بنفسه إلى مرج دابق، قريبًا من ميدان المعركة، وأقسم قسمًا عظيمًا: "لا أبرح حتى يفتح الله علينا أو أموت".

لكن القدر كان له رأي آخر، الأسوار الضخمة للقسطنطينية، نار الروم اليونانية، هجمات البلغار من الخلف، برد الشتاء القارس... كلها تحالفت ضد الجيش الإسلامي. وفي تلك الأثناء، أصاب سليمان مرض شديد. وفي غمرة المرض، جاءه خبر مفجع: ابنه البكر أيوب، الذي كان يُعدّ خليفته المستقبلي، توفي فجأة. كمد سليمان على ابنه، ذاب قلبه ألمًا، وأخذ جسده ينحل يومًا بعد يوم.

في لحظاته الأخيرة، استشار رجاء بن حيوة في ولاية العهد. تردد قليلاً، ثم اتخذ قرارًا تاريخيًا: عهد بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز، "خير الناس وأصلحهم"، ثم ليزيد بن عبد الملك بعده ليرضي بني أمية. لبس حلة خضراء، اعتم بعمامة خضراء، جلس على فراش أخضر، نظر في المرآة وقال بصوت خافت: "أنا والله الملك الشاب!" ثم خرج ليصلي الجمعة... فلم يعد إلا محمومًا.

دخل عليه رجاء، وجّه وجهه إلى القبلة، فأفاق وقال: "لم يأن لذلك بعد يا رجاء". في المرة الثالثة، قال: "من الآن يا رجاء"، ثم نطق بالشهادتين، وفاضت روحه. كان ذلك في العاشر من صفر سنة ٩٩ هـ، في مرج دابق، وسط جيشه الذي كان يترقب فتحًا لم يتحقق.

غطاه رجاء بقطيفة خضراء، أغلق الباب، ثم جمع الناس وقرأ الكتاب المختوم: 

"بايعوا لمن فيه"، تغيرت وجوه بني مروان حين سمعوا اسم عمر، لكنهم سكتوا حين سمعوا يزيد بعده.

هكذا انتهت خلافة قصيرة لكنها مليئة بالدراما والإصلاح والطموح الكبير. خلافة بدأت بنسمة عدل، وحملت حلم فتح عظيم، وانتهت بقلب مكسور على ابن، وعهد تاريخي مهّد لعهد عمر بن عبد العزيز، الذي سُمي بخامس الخلفاء الراشدين..

عندما انهارت القسطنطينية لم تنهَر العقبة النصرانية، بل بعد سقوطها بأربعين سنة فقط كانت قوة النصرانية في إسبانيا تستكمل طرد المسلمين من الأندلس، وتكتشف الأمريكتين وتحوزها، وتلتف لتحتل بلاد المسلمين في غربي إفريقيا وشماليها وجنوبيها.

كان إصرار الفاتح على فتح القسطنطينية لا يهتز، ومع أنه لقي في حرب فتحها من العنت والشدة والإخفاقات ما يجعل أي متابع يفكر في تأجيل المعركة وإعادة الكَرّة بعد فترة، وهو الأمر الذي اقترحه عليه فعلاً بعض وزرائه وقادة حربه، ولكنه أبى وبشدة.. وبسبب هذا الإصرار الملحّ على فتح هذه المدينة، فتح الله عليه بالفكرة العبقرية غير المسبوقة ولا الملحوقة، وهي تسيير السفن فوق الجبل للنزول بها في خليج القرن الذهبي وتجاوز عائق السلسلة الحديدية التي تغلق مجرى المضيق، وبهذا تم له الفتح!

إن الصمود في موقف واحد قد يغير خريطة التاريخ لسنين أو لقرون أو للأبد.. وكذلك الصمود في موقف مقابل قد يحفظ خريطة التاريخ لسنين أو لقرون أو للأبد..

#نقاش_دوت_نت 





التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8555
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.