من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

واشنطن تفتح ملف سبتة ومليلية: تحوّل استراتيجي أم ورقة ضغط على مدريد؟

خالد بيومي
واشنطن تفتح ملف سبتة ومليلية: تحوّل استراتيجي أم ورقة ضغط على مدريد؟



لجنة الاعتمادات تُقحم أمريكا في أعقد ملفات السيادة الأوروبية


في خطوة لافتة تعكس تحولاً في موازين الجغرافيا السياسية بمنطقة المتوسط، أقرّت لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يدعو وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الوساطة بين إسبانيا والمغرب للتوصل إلى "تسوية دبلوماسية" بشأن مستقبل مدينتَي سبتة ومليلية. والأشد وقعاً في هذا الوثيقة هو التعريف الذي تُصنَّف فيه المدينتان بوصفهما "مدينتَين تُديرهما إسبانيا" لكنهما "تقعان داخل التراب المغربي". 

هذا التوصيف يمثّل في حدّ ذاته انقلاباً دبلوماسياً بالغ الأثر؛ إذ يُدرج الكونغرس الأمريكي، لأول مرة عبر آلية تشريعية رسمية، ما كانت تعدّه مدريد ثوابت سيادية لا تقبل الجدل.

الرجل المحوري: ماريو دياز-بالار، صديق روبيو وعرّاب التحوّل

المحرّك الرئيس لهذه المبادرة هو النائب الجمهوري ماريو دياز-بالار، الذي يترأس اللجنة الفرعية لمجلس النواب المعنية بالأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج ذات الصلة، وهي الجهة التي تتولى تمويل الدبلوماسية الأمريكية وعملياتها الخارجية.

كما يُعدّ دياز-بالار من أقرب المقرّبين من وزير الخارجية ماركو روبيو، وقد عمل معه على ملفات أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط لأكثر من عقد.

وفي تصريح  نشرته صحيفة "إل إسبانيول" الإسبانية، أكد النائب أن مدينتَي سبتة ومليلية لا تقعان ضمن الرقعة الجغرافية لإسبانيا، واصفاً إياهما بأنهما جزء من التراب المغربي، مشيراً إلى أن مصيرهما يظل مسألة قابلة للتفاوض والنقاش بين الحلفاء والأصدقاء. 

وأضاف النائب انتقاداً صريحاً لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، محذراً من أن حكومته تُهدّد تحالف بلاده مع واشنطن، في وقت حافظ فيه المغرب على علاقات متينة وإيجابية مع الولايات المتحدة. 


من النواب إلى الشيوخ

لم يقتصر الأمر على مجلس النواب؛ إذ تولّى كل من السيناتورين تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت تقديم مشروع قانون مماثل في مجلس الشيوخ في مارس 2026، ليتقدم الغرفتان التشريعيتان الأمريكيتان معاً نحو الهدف الاستراتيجي ذاته، في سابقة لافتة نادراً ما شهدها الملف المغربي-الإسباني. 


خلفية الأزمة: توترات مدريد-واشنطن وأثرها على ملف سبتة ومليلية

لا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن سياقها الأشمل. جاءت تصريحات دياز-بالار في خضم تصاعد ملحوظ في حدة التوترات الدبلوماسية بين واشنطن ومدريد، لا سيما بعد أن أغلقت الحكومة الإسبانية مجالها الجوي أمام طائرات عسكرية كانت متجهة لدعم العمليات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.

وقد دفع رفض مدريد منح الولايات المتحدة استخدام قاعدتَي روتا وموروون العسكريتين، فضلاً عن إخفاقها المتكرر في الوفاء بالتزامات الإنفاق الدفاعي في إطار حلف الناتو، إلى فتح شقوق حقيقية في درع الحماية الاستراتيجية الذي أحاطت به مدريد مدينتَي سبتة ومليلية على مدى عقود. 

مراكز الأبحاث تُعلي صوتها:

من التحليل إلى المطالبة سبق هذا التحرك التشريعي ضجة أشعلها مايكل روبن، الباحث الأول في معهد أمريكان إنتربرايز والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، حين طالب الرئيس ترامب ووزير الخارجية روبيو بالاعتراف الرسمي بسبتة ومليلية بوصفهما "أرضاً مغربية محتلة"، واصفاً إسبانيا بأنها "دولة استعمارية تُدير مستعمراتها على الضفة الشمالية للمغرب عبر مضيق جبل طارق". 

وذهب روبن إلى أن مدينتَي سبتة ومليلية لا تخضعان تلقائياً للمادة الخامسة من ميثاق الناتو، المتعلقة بالدفاع الجماعي، استناداً إلى المادة السادسة من معاهدة واشنطن التي تستثني الأراضي الواقعة في القارة الأفريقية من نطاق هذا الالتزام. 

دعم مالي للرباط: 40 مليون دولار


رسالةً استراتيجيةلا تقتصر الوثيقة الأمريكية على الكلمات؛ إذ تتضمن اقتراحاً بتخصيص 40 مليون دولار كدعم للمغرب، يشمل مساعدات الأمن القومي والتمويل العسكري، في أفق عام 2027. إشارة اقتصادية وعسكرية واضحة مفادها أن واشنطن تستثمر في من يحرس حدودها الجنوبية وفق مصالحها. 


الموقف الإسباني: رفض لا يتزحزح


في المقابل، تتمسك الحكومة الإسبانية بموقفها الثابت القاضي بأن سبتة ومليلية غير قابلتَين للتفاوض، وأنهما تتساويان في المكانة مع سائر أجزاء الأراضي الوطنية، معتبرةً كل وساطة خارجية تدخلاً في شؤونها الداخلية. وقد أكد الدستور الإسباني  الموقف القانوني للمدينتَين اللتَين ظلتا تحت السيادة الإسبانية لقرون. 


مسار الاعترافات الأمريكية بالمطالب المغربية


لا يأتي هذا الحراك من فراغ. شكّل اعتراف إدارة ترامب السابقة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية سابقة ما زالت تُلقي بظلالها على المشهد الإقليمي، وتُعيد رسم الخريطة الدبلوماسية للمنطقة. 

واليوم يبدو أن تلك الخطوة لم تكن سوى الفصل الأول من مسرحية أكبر.

ملف مفتوح على كل الاحتمالات

يدخل ملف سبتة ومليلية مرحلة بالغة الحساسية؛ فبين تشريع أمريكي يُعيد تعريف الجغرافيا السياسية، ومغرب يعزز موقعه الاستراتيجي حلفاءً وشراكات، وإسبانيا تبحث عن موطئ قدم في واشنطن التي باتت لا تُخفي انحيازها، تجد مدريد نفسها أمام معادلة دبلوماسية لم تختبرها من قبل.

ما شهده الكونغرس الأمريكي ليس مجرد تقرير اعتيادي، بل قد يكون إيذاناً بفصل جديد في تاريخ ضفتَي المضيق.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8564
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.