من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شعوب تنهض وأخرى تتلاشى.. عارف حجاوي يفتح أرشيف التاريخ في كتاب يقرأ مصير الأمم

القاهرة: خالد بيومي
شعوب تنهض وأخرى تتلاشى.. عارف حجاوي يفتح أرشيف التاريخ في كتاب يقرأ مصير الأمم


شعوب زالت وشعوب ما زالت 


في كتابه "شعوب زالت وشعوب ما زالت: سياحة في طرائف التاريخ والجغرافيا"، لا يكتفي الكاتب عارف حجاوي بسرد الوقائع التاريخية، بل يذهب إلى ما هو أبعد: تفكيك سرّ البقاء وسرّ الأفول في مسيرة الأمم والإمبراطوريات. فالكتاب يبدو أقرب إلى رحلة فكرية عبر خرائط العالم وتحوّلاته الكبرى، حيث تتجاور الحكاية مع التحليل، والمعلومة مع التأمل، في لغة تجمع بين السلاسة والعمق.

ينطلق حجاوي من فكرة جدلية مفادها: أن التاريخ لا يُقرأ بوصفه سردًا للماضي فقط، بل بوصفه مختبرًا لفهم الحاضر.

ومن هذا المنطلق، يستعرض نماذج متعددة من شعوب وإمبراطوريات صعدت إلى القمة ثم انحدرت، أو نجت من السقوط واستمرت في صنع حضورها. وهنا تتكشف قيمة الكتاب بوصفه محاولة لطرح سؤال أكبر من الحوادث نفسها: لماذا تبقى بعض الأمم، بينما تتلاشى أخرى رغم ما بلغته من قوة؟

إمبراطوريات صنعت المجد ثم انكسرت

يعتمد الكتاب على أمثلة تاريخية لافتة تعكس منطق الصعود والانهيار. فالإمبراطورية الرومانية، التي مثّلت أحد أعظم نماذج السيطرة في التاريخ، تحولت في نهاية المطاف إلى رمز لانهيار القوة حين تتسع الرقعة أكثر مما تحتمل الإدارة والسياسة.

والإمبراطورية العثمانية، التي امتد نفوذها قرونًا طويلة، دخلت مرحلة التراجع التدريجي بفعل التآكل الداخلي وتغير موازين القوة الدولية.

كما يستحضر الكتاب الإمبراطورية البريطانية، التي بلغت ذروة نفوذها حتى وُصفت بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، قبل أن تتراجع مكانتها مع تحولات القرن العشرين والحربين العالميتين. وفي السياق نفسه، تبرز الإمبراطورية المغولية مثالًا على الصعود الخاطف والانقسام السريع، بينما تقدم الإمبراطورية الإسبانية درسًا آخر في أن الثروة وحدها لا تكفي لحماية النفوذ من التآكل.

هذه النماذج لا تُعرض بوصفها وقائع تاريخية منفصلة، بل كعلامات على قانون أوسع: القوة حين تفقد توازنها تتحول إلى عبء على نفسها.

لماذا يلفت هذا الكتاب الانتباه؟

تكمن قوة الكتاب في أنه لا يتعامل مع التاريخ كأرشيف صامت، بل كقصة حية تمسّ أسئلة الحاضر. فالقارئ لا يخرج منه بمعلومات متناثرة فقط، بل بانطباع أعمق عن هشاشة المجد حين يغيب عنه التخطيط، وعن قدرة الشعوب على الاستمرار حين تمتلك عوامل التكيف والتجدد.

ويحافظ حجاوي على أسلوب قريب من القارئ، من دون أن يفقد النص جديته المعرفية. لذلك يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره عملًا ثقافيًا يجمع بين المتعة والوعي، ويمنح القارئ العربي مادة ثرية للتأمل في الجغرافيا السياسية والتاريخ الحضاري بعيدًا عن الأسلوب الأكاديمي الجاف.

في المحصلة، ينجح "شعوب زالت وشعوب ما زالت" في تحويل التاريخ إلى مرآة؛ مرآة ترى فيها الأمم نفسها وهي تتقدم أو تتراجع، تبني أو تنهار، تبقى أو تختفي. وهو كتاب يذكّر بأن مصير الشعوب لا تصنعه القوة وحدها، بل القدرة على حماية هذه القوة من الداخل قبل أن تستهلكها التحولات من الخارج.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8569
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.