من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

عندما يكون المسجد سوقًا

د. محمد عبدالله القواسمة
 عندما يكون المسجد سوقًا


المعروف أن المسجد مكان للعبادة والعلم، والتفقه بالدين. يلتقي فيه المسلمون لأداء الصلوات الخمس، وتمتلئ نفوسهم بالإيمان، وقلوبهم بالحب والسلام. ولا يعني المسجد المبنى الذي تُقام فيه الصلوات فحسب بل يشمل أيضًا الساحة التي أمامه، فهي امتداد له، وجزء منه. 

لكن، من الملاحظ أن مفهوم المسجد، كمكان للعبادة، يغيب عن بعض الناس، فيستخدمون ساحته الأمامية سوقًا للبيع والشراء، وخاصة يوم الجمعة، فيعرض بعض الباعة بضاعتهم قبل الصلاة، وما إن يخرج الناس من المسجد حتى تنطلق أصواتهم بالمناداة على بضاعتهم من المواد كافة: الخضار والفواكه، وأدوات الزينة والعطور، والملابس وعلب السجائر. إنهم يتاجرون بكل شيء حتى العملة.  

في ساحة المسجد لا يقرأ الناس عادة دعاء السوق، الذي يطلبون فيه من الله التوفيق والبركة، فهم لم يغادروا المسجد بعد، وما زالت قلوبهم وعقولهم عامرة بذكر الله والدعاء له. في هذه الحالة من الإيمان والاطمئنان يقدم كثيرون منهم على الشراء من السوق التي ظهرت بسرعة؛ كي يعودوا إلى أهلهم وأطفالهم ببعض ما يحتاجه البيت، وما إن يكونوا في البيت حتى يكتشف بعضهم المفاجأة.  

حدث لي ذات جمعة. 

وجدتني في ساحة المسجد بعد الصلاة، في سوق فيها كل أصناف البضائع، وأصوات الباعة ترتفع فوق التسبيحات والحوقلات والبسملات. من بين الأصوات كان صوت بائع الرمان ينادي:" الرمان ثمار الجنة، مقوي القلوب، الكيلو بخمسة وعشرين قرشًا يا بلاش" وشاهدت الناس متحلقين حول عربته، وأيديهم تمتد بالنقود إلى البائع ثمن ما ابتاعوه. رمان جميل، يلمع بطزاجة ظاهرة. أغراني المنظر ورخص الثمن، وشجعني اندفاع الناس وتجمعهم على الشراء، فاشتريت أكثر من المعتاد، وهرعت إلى البيت كأني عثرت على كنز ثمين.

في البيت تبين أن جميع ما اشتريته من الرمان كان فاسدًا من الداخل، ولم نجد رمانة واحدة صالحة للاستهلاك البشري. شعرت بخيبة كبيرة وبحرج كبير أمام العائلة، فأسرعت إلى ساحة المسجد كي أحتج على البائع، وأبين له سلوكه الشائن، الذي لا يتوقعه أحد في يوم الجمعة سيد الأيام، وبخاصة في ساحة المسجد، وبعد صلاة الجمعة وخطبتيها.

لم أجده ووجدت شيخ الجامع، وحوله بعض الرجال في أيديهم ما اشتروه من رمان يسألونه عن البائع. كان يجيبهم بأنه غادر بعد أن باع ما معه من رمان. 

شكا الشيخ من هؤلاء الباعة، الذين يملؤون ساحة المسجد عقب كل صلاة، ويغتنمون غفلة بعد المصلين، وغرقهم في ذكر الله ببيعهم ما هو فاسد ورديء. وعجب أحد الواقفين مما يتمتع به هؤلاء الباعة من مكر ودهاء في اختيار المكان والزمان المناسبين لتسويق بضاعتهم. وعلق رجل آخر بسخرية بأن التجارة شطارة. 

وعاد شيخ المسجد إلى الكلام، فبين عدم جواز البيع والشراء في المسجد وساحته، بل إنه مكروه كراهة شديدة، أو محرم كما عند الحنابلة وبعض أهل العلم، لقدسية المساجد المخصصة للذكر والعبادة والصلاة، وذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال:" إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك" 

وجه الغرابة في السوق التي تنشأ قبل الصلوات، أنها سوق تختلف عن غيرها من الأسواق بكثرة ما يحدث فيها من غش وسرقة وكذب وخداع. ربما يعود هذا إلى ما تسبغه المساجد وأماكن العبادة على الناس من مهابة وخشوع وتفكير في الآخرة أكثر من الدنيا. وهذا عامل تشجيع ومساعدة للباعة؛ كي يسوقوا بضاعتهم، ويعقدوا صفقاتهم التجارية بنجاح وكسب كبيريْن.

وموقف الإسلام من ظاهرة تحويل ساحة المسجد إلى سوق يماثل موقف المسيحية، فيروى في بعض الأناجيل (متى ومرقص ولوقا..) حادثة طرد المسيح (عليه السلام) للباعة والصيارفة من هيكل أورشليم، (مكان العبادة عند اليهود في زمن المسيح) عندما تحولت ساحة الهيكل إلى سوق لبيع الحيوانات والحمام، وسوق صرافة لتبديل العملات للقادمين للعبادة. غضب المسيح وقال قولته المشهورة:" بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص"

هكذا من العجب أن يكون المسجد سوقًا، ومن العجب العجاب أن يكون ميدانًا للغش والاحتيال!!

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8576
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.