ضابطُ الشُّرطةِ الهارِبُ إلى سُجونِ الحُبِّ
كَأنَّما كانَ الشِّعرُ صحيفةَ اتِّهامٍ تُلاحِقُ أبا أمِنةَ حامِد، تُسجِّلُ عليه تهمةَ العِشقِ الأبديِّ، وتُثبِتُ أنّهُ ضابِطُ الشُّرطةِ الذي هَرَبَ من صرامةِ القوانينِ إلى سُجونِ الحُبِّ.
التُّهمةُ الأولى: أنّهُ عاشِقٌ "وَد بَلَد"، يُغنِّي لأيِّ سودانيَّةٍ صفاتُها المحاسِنُ، عابِرًا كُلَّ بقاعِ السُّودان. فيقولُ:
سودانيَّةٌ تَهوَى عاشِقَ وَد بَلَد
في عُيونِها المُفاتِنُ شيءٌ ما لَيهُ حَدّ
التُّهمةُ الثَّانية: أنّهُ أسمى ديوانَهُ الشِّعريَّ "شَعرُها الذَّهَب"، فكانَ شاعرَ الرُّومانسيَّةِ القدير، يُحوِّلُ الخُصلاتِ نُجومًا تُضيءُ ليلَ الهوى، ويَنسُجُ من العِناقِ والغَزَلِ مَوكِبًا يَغزِلُ الطَّرَب.
وفي نَموذَجٍ من رَوائعِه يقولُ:
سالَ من شَعرِها الذَّهَبُ
سَالَ مِن شَعرِها الذَّهَبُ
فَتَدَلَّى وما انسكَبْ
كُلَّما عبَثَتْ بهِ
نَسمةٌ ماجَ واضطَرَبْ
النُّجيماتُ والخُصَلْ
في عِناقٍ وفِي غَزَلْ
نَسَجَتْ حَولَهُ القُبَلْ
مَوكِبًا يَغزِلُ الطَّرَبْ
فيهِ مِن سَمرَةِ الأصيلْ
شَعرُها المُذهَبُ النَّبيلْ
ثَغرُها اليانِعُ البَليلْ
كَرزةٌ حَفَّها العِنَبْ
يا حَبيبي... أَكُلَّما
قَلبِي المُغرَمُ احتَمَى
بِكَ وانزاحَ مُلهَمَا
عادَ كَأسًا بلا حَبَبْ
فارهٌ... مُترفٌ... لَدُنْ...
فَنَنٌ... لا... ولا فَنَنْ
هَزَّني الوَجدُ والشَّجَن
في الهَوى قَلبِي اغتَرَبْ
رَقَصَ الوَردُ والزَّهَرْ
مَهرجانًا على النَّهرْ
سَالَ في الشَّطِّ وانهمَرْ
عِطرُهُ الحُلوُ وانسَرَبْ
أيُّ غُصنٍ إذا انثَنَى
فيهِ تحتَفِلُ الدُّنَا
والثُّريَّاتُ والسَّنَا
غَيرُ بَدرٍ إذا احتَجَبْ
عِشتُ في الحُبِّ مُنتَهَى
التِّيهِ... لكنْ بلا انتِهَى
تائِهٌ... ذاهِلُ النُّهَى
شَفَّني الوَجدُ والطَّرَبْ
إنْ تَكُنْ أنتَ لم تَزَلْ
يَومَ بَدرِ المُنَى اكتَمَلْ
نَحنُ شَلناكَ في المُقَلْ
وقَعَدنا على اللَّهَبْ
هكذا كانَ أبو أمِنةَ حامِد، شاعرًا يُقيمُ مهرجانًا على النَّهرِ، يُذيبُ الوَجدَ في الطَّرَب، ويَجعَلُ من الحُبِّ تيهًا لا يَنتهي، واغترابًا يَسكُنُ القُلوبَ.
نِهايةُ المَطاف: حفلت الإذاعةُ السُّودانيَّةُ وإذاعةُ رُكنِ السُّودانِ بالقاهِرة، ثُمَّ محطَّاتُ التِّلفزةِ، ومن بَعدُ وسائِلُ الإعلامِ المُختلِفةُ، ما ظلَّ المطربونُ يردِّدونه من أشعاره، حتَّى رَسَخَتِ التُّهمُ في الوِجدانِ، وتحوَّلَت إلى ذاكرةٍ جماعيَّةٍ تُخلِّدُهُ.
يَرحمُ اللهُ الشاعرَ أبا أمِنةَ حامِد، ابنَ كُلِّ السُّودان، الذي امتهنَ الشُّرطةَ، ودَرَسَ الإعلامَ، وعَمِلَ في المُلحقِيَّةِ الثَّقافيَّةِ بسِفارةِ السُّودانِ بالقاهِرة مطلعَ السَّبعينات، ثُمَّ في الخارجيَّةِ السُّودانيَّةِ.
الإسكندريَّةُ السَّابعُ من مايو 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك