من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حتى مغيب الشمس

مي محسن عامر
حتى مغيب الشمس



كطاووسٍ ينفش ريشه، كانت تخطو مزهوّة بإصرارها، تلمع في عينيها نشوة الفخر حين علمت أنها صارت قدوة، وأن زميلة ستقلدها غدًا.

ذلك الإحساس جعل أنين معدتها يخفت، ولو مؤقتًا.

من المطبخ تسللت روائح الثوم والكزبرة والسمن، ودجاجة تشوى ببطء. لعابها سال، وبطنها أعلنت جوعها الصريح.

مدّت الأم ملعقة ملوخية كأنها اختبار، فاعتذرت بحيلة واهية، وخبأت نيتها كما يُخفى الذنب.

نظرت إلى السماء ترجوه أن يسترها حتى تغيب الشمس.

على الأريكة جلست الجدة، مسبحتها بين أصابعها.

قالت بهدوء:

— أنا أعلم أنكِ صائمة.

ارتجفت عيناها دهشة. تلك الجدة لا تنظر للوجوه، بل للأرواح.

استحلفتها ألا تخبر أحدًا؛ فقد أتمت العاشرة، وتريد أن تثبت قوتها.

اجتمعت الأسرة على صوت الشيخ الشعراوي، طقس لا يكتمل المساء الرمضاني بدونه.

وُضعت المائدة، وتعلقت عيناها بالساعة، وأذنها تنتظر الكلمة الفاصلة.

التقطت الجدة نظرتها الجائعة وهمست:

— لا نمنّ على الله بصيامنا.

خجلت الطفلة من ضعفها. شدّت الجدة على يدها، وبثت فيها طمأنينة صامتة.

الله أكبر…

انسابت أولى قطرات الماء كحياة تُبعث في جسدٍ عطِش. تنفست بعمق، وعاد الدم دافئًا في عروقها.

— تقبل الله صيامك.

ابتسم والداها بفخر، وأخبراها أن سرها كان مكشوفًا منذ فرارها صباحًا.

انحنت خجلًا، ثم أدركت:

لم يكن هذا اول يوم صيام فحسب، بل أول خطوة في طريق النضج.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8648
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.