هولندا تتحرك ضد روسيا
هولندا تُعيد فتح أخطر ملف اقتصادي في أوروبا: ٢١٠ مليارات يورو روسية في مرمى بروكسل
في مشهد يكشف حجم الضغوط المتراكمة على الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أقدمت هولندا على خطوة غير مسبوقة تُعيد تحريك أحد أكثر الملفات المالية إثارةً للجدل داخل أروقة بروكسل: توظيف الأصول الروسية المجمدة — البالغة قيمتها نحو ٢١٠ مليارات يورو — في تمويل المجهود الحربي الأوكراني مباشرةً، وليس الاكتفاء بعائداتها وفوائدها كما يحدث الآن.
لاهاي تتحرك... واجتماع "إيكوفين" منصةً للإقناع
تسعى هولندا إلى استئناف المحادثات بشأن استخدام ما يصل إلى ٢١٠ مليارات يورو من الأصول الروسية المجمدة لمساعدة أوكرانيا على مواصلة الدفاع عن نفسها في العام ٢٠٢٧. وقد أكد ستة دبلوماسيين ومسؤولين من الاتحاد الأوروبي أن وزير المالية الهولندي إيلكو هاينن سعى إلى حشد الدعم بين نظرائه خلال مناقشة مغلقة في بروكسل بتاريخ الخامس من مايو ٢٠٢٦، في إطار اجتماع مجلس الشؤون الاقتصادية والمالية "إيكوفين".

ويأتي هذا التحرك في فترة بالغة الحساسية، إذ لم تُرسل بروكسل حتى مايو ٢٠٢٦ أي مبلغ من قرض ٩٠ مليار يورو المدعوم بميزانية الاتحاد، والذي وافق عليه ٢٤ من قادة التكتل في ديسمبر ٢٠٢٥ لتقديمه لكييف على مدى العامين ٢٠٢٧ و٢٠٢٨.
قلب الأزمة: أصول مجمدة بلا مصير محدد
تم تجميد أصول الدولة الروسية في دول الاتحاد عقب هجومها على أوكرانيا في فبراير ٢٠٢٢، ويقع الجزء الأكبر من هذه الأصول المقدّر بنحو ٢١٠ مليارات يورو في بلجيكا.

وبالتحديد، تخضع نحو ١٨٥ مليار يورو منها لإدارة شركة الإيداع المالي "يوروكلير" التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، مما يُثير مخاوف الحكومة البلجيكية من رد فعل روسي انتقامي في الداخل والخارج.
وكانت دول الاتحاد الـ٢٧ قد قررت في المرحلة الأولى الاكتفاء باستخدام عائدات هذه الأصول وفوائدها فحسب، والتي تتراوح بين ٢.٥ و٣ مليارات يورو سنوياً، قبل أن يتفق قادة مجموعة السبع في أكتوبر ٢٠٢٤ على توظيفها ضماناً لقرض بلغت قيمته ٤٥ مليار يورو لأوكرانيا.
الفجوة المالية تتسع... وكييف بحاجة إلى المزيد
تكمن المعضلة الحقيقية في الأرقام: كان من المتوقع أن يبلغ عجز ميزانية كييف حوالي ٧١ مليار يورو في ٢٠٢٦ و٦٤ مليار يورو في ٢٠٢٧، غير أن هذه التقديرات تفترض انتهاء الحرب عام ٢٠٢٦، وهو احتمال لا يعتقد الكثيرون أنه سيتحقق.

وفي مواجهة هذا الواقع المالي الضاغط، حذّر الاتحاد الأوروبي حكومات الدول الأعضاء من أنها قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم منح ثنائية أو آليات قرض مشترك جديدة، إذا تعذّر التوصل إلى اتفاق بشأن استخدام الأصول الروسية المجمدة.
وقد رسمت المفوضية الأوروبية ثلاثة خيارات لعواصم التكتل: المنح الوطنية الثنائية، أو آلية قرض مشترك جديد، أو الاستفادة من الأصول الروسية المجمدة.
الخلاف الأوروبي الداخلي: بلجيكا في الواجهة
أعادت دعوة هاينن فتح نقاش قانوني وتجاري وسياسي شائك شهد في أواخر ٢٠٢٥ مواجهة بين رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر والمفوضية الأوروبية، إذ يخشى أن تكون بلاده ملزمةً بسداد مليارات الأموال الروسية المودعة في بروكسل إذا حاولت موسكو استرداد هذه الأموال.

وقد أيدت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وفنلندا دعوات هاينن، في حين التزمت دول أخرى الصمت مدركةً حجم الحساسية السياسية التي أثارها هذا النقاش عام ٢٠٢٥.
كما أعربت دول بارزة عن تحفظات واضحة؛ إذ أبدت بلغاريا وفرنسا وإيطاليا ومالطا مخاوفها، فيما حذّر البنك المركزي الأوروبي باستمرار من أن اللجوء إلى الأموال المجمدة قد يردع الحكومات الأخرى عن ممارسة الأعمال داخل منطقة اليورو.
غياب واشنطن يُعقّد المشهد
يزيد من تعقيد المعادلة المالية الأوروبية ضبابية الموقف الأمريكي، إذ تضغط المفوضية الأوروبية على كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان لتغطية العجز المتبقي، في حين يظل غير واضح ما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب ستلتزم بتقديم مزيد من الأموال.
وفي سياق متصل، من المقرر صرف الشريحة الأولى من قرض الـ٩٠ مليار يورو والبالغة ٤٥ مليار يورو في يونيو ٢٠٢٦، بعد أن سحبت المجر حق النقض على القرض عقب فوز المعارضة بقيادة بيتر ماغيار على فيكتور أوربان في انتخابات أبريل ٢٠٢٦.
سيناريوهات المستقبل: بين الحلول الوسط والمواجهة
يرصد المحللون ثلاثة مسارات محتملة للأزمة:
أولاً — التصعيد التدريجي: من المرجح أن يشهد ملف الأصول الروسية المجمدة تصاعداً ملحوظاً خلال ٢٠٢٦، خاصة مع تزايد الضغوط المالية واستمرار الحرب دون مؤشرات على تسوية قريبة، إذ باتت دول كهولندا ودول شمال أوروبا ترى في استخدام هذه الأصول ضرورةً استراتيجية لا مجرد خيار سياسي.
ثانياً — الحلول الوسط: من المتوقع أن يتجه الاتحاد الأوروبي نحو توسيع استخدام عوائد الأصول المجمدة بدلاً من مصادرتها الكاملة، لتقليل المخاطر القانونية والسياسية، مع تصاعد محتمل في التنسيق مع الولايات المتحدة وكندا واليابان لإيجاد مظلة قانونية ومالية مشتركة.
ثالثاً — التوتر الداخلي: في حال استمرار الحرب حتى ٢٠٢٧، قد يتحول الملف إلى نقطة خلاف حادة بين الدول الأوروبية حول حدود التضامن المالي والعسكري مع كييف، خاصة إذا تزايدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل القارة.
أعادت هولندا بجرأة دبلوماسية لافتة فتح أخطر الملفات الاقتصادية على الإطلاق في مسار الحرب الأوروبية الطويلة مع موسكو. فبين رهان بلجيكا على صون استقرارها المالي، وحاجة أوكرانيا الماسة لمزيد من الدعم، وتردد واشنطن، يقف الاتحاد الأوروبي أمام اختيار تاريخي: هل يجرؤ على تسليح نفسه بسلاح الأصول المجمدة، أم يتراجع خشية الفاتورة القانونية والجيوسياسية؟
#نقاش-دوت

التعليقات
أضف تعليقك