الصين تتحدى عقيدة مونرو الأمريكية في أمريكا اللاتينية من خلال ضخ استثمارات ضخمة في البرازيل
في خطوة هادئة لكنها مدوية التأثير، تحدت الصين عقيدة مونرو الأمريكية التاريخية، التي دامت أكثر من قرنين، دون إطلاق رصاصة واحدة. بينما يتساءل الجميع عن صمت بكين أمام تراجع نفوذ واشنطن في نصف الكرة الغربي، تكمن الإجابة في استراتيجية استثمارية ذكية تركز على البرازيل كبوابة لأمريكا اللاتينية.
تعود عقيدة مونرو إلى رسالة الرئيس الأمريكي جيمس مونرو للكونغرس في ديسمبر 1823، حيث أعلن أن أمريكا اللاتينية "مجال نفوذ الولايات المتحدة"، وأن أي تدخل أجنبي يُعد سبباً للحرب. لقرابة 200 عام، شكلت هذه العقيدة ركيزة أساسية للسياسة الخارجية الأمريكية. لكن في 2025، غيرت الصين قواعد اللعبة.

لم تُرسل الصين دبابات أو صواريخ أو أساطيل بحرية، بل استثمرت مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة المتجددة، شركات التعدين، بنية تحتية الموانئ، والسكك الحديدية في البرازيل. هذه الاستثمارات ليست عشوائية؛ فالبرازيل عضو رئيس في مجموعة بريكس، وشريك حيوي في استراتيجية الصين للاستقلال عن الهيمنة الدولارية.
البرازيل: عملاق الطاقة المتجددة والموارد الاستراتيجية
تحولت البرازيل إلى قوة طاقوية هائلة دون أن يلاحظ العالم ذلك. تنتج اليوم نحو 88% من طاقتها من مصادر متجددة، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 30% فقط، وفق بيانات منظمة الطاقة الدولية. يرتكز هيكلها الطاقوي على أربعة أعمدة رئيسة:
الطاقة الكهرومائية: سد إيتايبو، ثاني أكبر سد في العالم.
طاقة الرياح والشمسية: مشاريع متوسعة بسرعة.
الإيثانول: أكبر منتج عالمي من قصب السكر.
النفط الخام: ضمن أكبر 10 منتجين عالميين.
أما قطاع التعدين، فالبرازيل أكبر منتج لخام الحديد – المادة الخام الأساسية لصناعة الصلب الصينية – بالإضافة إلى 85% من إنتاج النيوبيوم العالمي، المعدن الاستراتيجي الحيوي للتكنولوجيا المتقدمة، الصناعات العسكرية، والطيران.
بهذه الموارد الأربعة الحيوية في دولة واحدة، أصبحت البرازيل هدفاً مثالياً للصين، التي سدت الفراغ الناتج عن تراجع النفوذ الأمريكي في الاقتصاد البرازيلي.
لعبة "غو" الصينية على الخريطة العالمية
على مدى العقدين الماضيين، مارست الصين لعبة "غو" الاستراتيجية الصينية التقليدية، حيث تُرسخ نفوذها بخطى ثابتة في الأسواق العالمية. البرازيل ليست استثناء؛ إنها جزء من شبكة أوسع تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي العالمي، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.
مع تزايد التوترات التجارية بين واشنطن وبكين، يُشير هذا التحالف إلى تحول جذري في توازن القوى في أمريكا اللاتينية. هل ستبقى عقيدة مونرو مجرد ذكرى تاريخية؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك