من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الكاتبة أسماء حسين : الكتابة تنمو في حضن التجربة وحساسية الإنسان معادلة لإنسانية قوته

حوار أحمد لملوم
الكاتبة  أسماء حسين :  الكتابة تنمو في حضن التجربة وحساسية الإنسان معادلة لإنسانية قوته

​الكتابة تنمو في حضن التجربة.. وحساسية الإنسان معادلة لإنسانية قوته


​يقولون إن الشعر هو تلك المنطقة الغامضة التي نلجأ إليها حين تعجز النثرية عن شرح ما بنا من فوضى، وهو الخيط الرفيع الذي يربط بين حلم نسيناه وواقع نعيشه. وفي جلستنا اليوم، لا نقابل مجرد شاعرة، بل نقابل حالة إنسانية صاغت من الصمت لغة، ومن الوجع أمنيات، ومن الحروف وطناً يسكننا قبل أن نسكنه.


​هي التي تمسك بالقلم وكأنها تمسك بمشرط جراح، لا لتقطع، بل لتفتح في أرواحنا نوافذ للضوء. يسعدني أن أبحر اليوم في عالم الشاعرة أسماء حسين؛ لنفتش معاً في حقائب ذكرياتها، ونسألها عن سر تلك الكلمة التي تولد في لحظة صدق، وتعيش فينا إلى الأبد.


​مصنع بلورة الذات: كيف تُربي التجربةُ الكتابة؟


​تؤمن أسماء حسين أن الكاتب لا ينعزل عن الحياة بل ينغمس في صلبها، فالتجربة هي "المصنع المتكامل" لنمو الإنسان والكاتب معاً. تستشهد في حديثها بتجارب فارقة؛ مثل أروى صالح في "المبتسرون" التي عكست هموم جيلها، ووجيه غالي الذي مزج مرارة حياته البوهيمية بأدبه الرفيع، وصولاً إلى زينة حموي التي تنقل وجع سوريا المعاصر. بالنسبة لأسماء، الكتابة هي تمرير لعمر التجربة للآخرين، حتى في الخيال المجرد.


وعن تجربتها الشخصية تقول: "تقف الصدفة والألم، الوحدة والأسئلة، الشارع والعائلة.. كشواهد على ما أكتب. لقد كتبت كثيراً عن الموت لأنني لا أزال تحت تأثيره، أكتب عنه لأسكنه قصصي كأشباح درامية، رغم كراهيتي الحقيقية له في الواقع".


​وحدة المنبع: حين يتسلل الشعر إلى مسام السرد


​وعن التنقل بين الشعر والقصة القصيرة، ترى أسماء أن الاختلاف يكمن في "الشكل" لا في "الروح". فالشعر لديها ينبع من شعور محض ورصد للأشياء، بينما القصة بناء للعوالم والخيال. ومع ذلك، تعترف بأن الحدود بينهما تتلاشى في نصوصها: "أنا أكتب من المنبع نفسه، من تلك المنطقة الحساسة التي تستقبل العالم بطريقة شعرية حتى وهي تحاول أن تحكيه. لذا يتسرب الشعر إلى قصصي دون قصد، كأنه الطريقة الأولى التي تفهم بها روحي العالم".


​رعشة العمود الفقري: المدن كحالة إدراك


​وعند سؤالها عن "الرعشة الخفية" التي توقظها الأماكن، تؤكد أسماء أن الرعشة لا تأتي من جغرافيا المكان بل من "الحالة". المدن التي تحمل ذاكرة شخصية، حتى لو كانت قاسية، هي الأكثر قدرة على ملامسة عصبها الخفي. "هي لحظة تماس مع شيء حقيقي لا يمكن تزييفه؛ جملة في توقيت دقيق، أو صمت مفاجئ. العالم يضغط بإصبعه على نقطة خفية في داخلي، فيمر تيار خفيف أعرف أنه لا يتكرر".



​الصمت الإيجابي: الغياب بوصفه "مرحلة امتصاص"


​تفسر أسماء فترات غيابها الأدبي بأنها ليست قطيعة، بل مرحلة "كتابة داخلية". فخلال غيابها عن النشر، تظل على صلة بالكتابة من خلال القراءة والترجمة والملاحظة. وعن تجربة الترجمة تقول: "كانت تجربة كثيفة جعلتني أقترب من نصوص الآخرين، لكنها أبعدتني قليلاً عن صوتي الخاص. وحين أعود للنشر، لا أبدأ من جديد، بل أفتح باباً كنت أقف خلفه طوال الوقت".


​كسر القالب: الشاعر ليس كائناً فوضوياً بالضرورة


​تستهجن أسماء الصورة النمطية التي تروجها الشاشات عن الشاعر ككائن فوضوي منعزل يسكنه الاضطراب. "الشاعر ليس قالباً، والكتابة لا تحتاج لمظهر خارجي يبررها. يمكن لشخص عادي وهادئ جداً أن يحمل داخله كل هذا الاتساع. الكتابة تشبه روح صاحبها وما يعجز عن قوله، لا ملامح واقعه اليومي".


​جغرافيا الحساسية: الرقة كشكل من أشكال المقاومة


​في حديثها عن ديوانها "جغرافيا الحساسية"، ترفض اعتبار الحساسية عبئاً أو ضعفاً، بل تراها "بنية كاملة للرؤية". "أن تشعر بعمق وتستمر برغم ذلك، هو شكل من أشكال المقاومة الهادئة. الحساسية تمنح القوة بُعداً إنسانياً، والقوة تمنح الرقة قدرة على البقاء. الكتابة الحساسة قاسية على صاحبها لأنها لا تسمح له بالتجاهل، وهي شكل من الصلابة التي لا تُرى بسهولة".


​إعادة التفاوض مع الذاكرة والوجود


​أما في "إعادة تدوير العهد القديم"، فتوضح أسماء أن الكتابة تمنحنا فرصة لإعادة النظر في الأحداث والذاكرة الكونية، وليس تغييرها. فالذاكرة قابلة لإعادة التأويل، والكتابة هي وسيلة للتفاوض مع ماضينا وفهمه بمنظور اللحظة الراهنة.



​تشريح القلق الإنساني: من الموت إلى السياسة


​تتنوع موضوعات أسماء بين الألم، الموت، والسياسة، لكنها ترى أنها جميعاً تنتمي لجذر واحد: "القلق الإنساني العميق". هي لا تنجذب للموضوعات بوصفها قضايا عامة، بل تبحث عن أثرها في الروح: "كيف يغير الألم شكل الروح؟ وكيف تتسرب السياسة إلى هشاشتنا اليومية؟ الكتابة محاولة للاقتراب مما لا يُقال، ولرصد الارتجافات الصغيرة التي تمر داخل الإنسان بينما يبدو ثابتاً من الخارج".


​القارئ كاحتمال.. والكتابة كفعل مواجهة


​تختتم أسماء حوارها بالحديث عن علاقتها بالجمهور ومخاوفها، مؤكدة أن القارئ يأتي "لاحقاً" بعد انتهاء النص، لأن التفكير فيه مبكراً قد يقيد صدق الكتابة. أما عن الخوف، فتقول بصلابة: "أخاف من الكتابة التي لا تشبهني، أما الكتابة الصادقة حتى لو كانت مؤلمة- فهي أقل ما يمكن أن أخافه. المواجهة مع الذات عبر الورق ليست سهلة، لكن تأجيلها لا يلغيها".

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8674
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.