رؤية ذائقية للمجموعة القصصية "سِّباع مجوفة" للأديب مصطفى الخطيب
سباع مجوفة مجموعة قصصية تكشف أسماء قصصها منذ الوهلة الأولى عن طبيعة العالم الذي يتحرك داخله الكاتب؛ فهي تتأرجح بين مفردات ذات طابع حكائي قديم مثل “سباع مجوفة” ، وأخرى شديدة الالتصاق بالراهن اليومي والتقني مثل “حصاد جوجل” و“جي. بي. أس” . غير أن هذا التفاوت الظاهري لا يبدو نشازًا، بل يعكس رؤية واحدة تتخفى وراء أشكال متعددة؛ إذ لا ينشغل الكاتب بزمن بعينه، بقدر انشغاله بالإنسان في حالاته المختلفة، وبكيفية خضوعه الدائم لقوى أكبر منه، سواء كانت جماهير، أو سلطة، أو خوفًا، أو حتى آلة حديثة.
ففي قصة “جي. بي. أس”، لم يظهر الجهاز بوصفه أداة تقنية فحسب ، بل كصوت خارجي يتولى قيادة الإنسان طوعًا ، ثم يتبرأ من مسؤوليته حين يخطئ الطريق. أما “حصاد جوجل” فتقدم مفارقة مجتمع يدين الآخرين على ما يبحثون عنه، بينما يستفيد في الوقت ذاته من تلك المعرفة التي يجرّمها، في صورة تكشف نزعة جماعية إلى الرقابة والأحكام السريعة.
ومن هنا، تبدو المجموعة في مجملها وكأنها محاولة لرصد الإنسان المعاصر وهو يعيد إنتاج أزماته القديمة بأدوات جديدة ؛ فالتكنولوجيا عند الكاتب لا تلغي الخوف أو التبعية أو الوهم، بل تمنحها صورًا أكثر حداثة فقط.
سباع مجوفة مجموعة قصصية ، اقترب فيها الأديب مصطفى الخطيب من الواقع الاجتماعي في أكثر من زاوية، فتناول قضايا مثل الفساد الانتخابي، والرشوة، والسلطة، والخوف الجمعي، دون أن يقع دائمًا في المباشرة، بل عبر بنى رمزية ومجازية متعددة.
وعلى المستوى الفني، يملك الكاتب أداة لافتة تتمثل في قدرته على بناء المشهد؛ فهو يجيد رسم اللقطات البصرية ومنح التفاصيل حضورًا حيًا، بحيث لا يكتفي القارئ بتلقي الحدث، بل يكاد يراه. غير أن هذه القوة يقابلها خلل يتكرر في أكثر من نص، يتمثل في الانتقالات بين المشاهد، إذ تأتي القفزات أحيانًا دون تمهيد كافٍ، مما يخلق نوعًا من الانقطاع في الإيقاع السردي. وكأن الكاتب يمتلك قدرة واضحة على صناعة اللحظة، لكنه لا يمنح دائمًا الجسر الكافي الذي يصل اللحظات ببعضها بسلاسة.
ثمة نصوص لا تعتمد على الحدث بقدر ما تُراهن على الإيحاء، تلك المساحة المراوغة بين ما يُرى وما يُتخيل، بين الواقع وما يخلقه الخوف في الوعي الجمعي. وقصة “سباع مجوفة” تنتمي لهذا النوع؛ فهي لا تسرد واقعة بقدر ما تُشيد مناخًا يُحرك القلق الكامن.
منذ العنوان، يضعنا النص أمام مفتاحه الرمزي الأهم:
“سباع مجوفة”؛ تماثيل تُظهر القوة لكن بلا روح، وهي صورة تنفتح على تأويلات متعددة، من نقد الهيبة الزائفة، إلى مُساءلة الخوف الجمعي حين يصنع أوهامه ثم يؤمن بها.
ويعزز هذا الاتجاه حضور تفصيلة لافتة، هي غياب الشوارب عن السباع. قد تبدو ملاحظة عابرة، لكنها تحمل دلالة رمزية دقيقة؛ نقص في اكتمال الهيئة، أي خلل في صورة القوة نفسها، وكأن النص يلمح إلى أن ما يبدو مهيبًا قد يكون ناقصًا في جوهره، وأن هذا النقص وحده كفيل بأن يقلب المعادلة.
على مستوى اللغة، يسعى الكاتب إلى استحضار روح السرد التراثي، وهو اختيار مناسب لطبيعة الحكاية. تظهر هذه النبرة في جملة ختامية موفقة: “لا نثبته تصديقًا ولا نرويه تكذيبًا”، حيث يترك الراوي مسافة بينه وبين الحدث، فيمنح النص طابع الحكاية المروية لا التقرير المباشر. كما أن توظيف مفردات مثل “الزمهرير” في سياق شهر “طوبة” جاء منسجمًا ودقيقًا، مستندًا إلى وعي لغوي وثقافي مناسب للبيئة.
غير أن هذا المسار اللغوي لا يظل ثابتًا طوال النص؛ ففي مواضع متعددة تتسرب تعبيرات أقرب إلى المعاصرة، خاصة في الحوار، مما يخلق نوعًا من التذبذب في النبرة. هذا التفاوت لا يفسد التجربة، لكنه يضعف من تماسك الصوت السردي، ويجعل القارئ يتنقل بين مستويين لغويين دون مبرر واضح.
وعلى صعيد البناء، تعتمد القصة على حدث مركزي واضح: تنفيذ الرؤيا ومحاولة غسل السباع، ثم لحظة الانقلاب حين “يتحرك الذيل”. هذه اللحظة تحمل طاقة درامية كبيرة، وكان يمكن أن تكون الذروة الأكثر كثافة في النص، غير أنها تمر سريعًا نسبيًا دون استثمار كافٍ للتصاعد أو التفصيل. وفي المقابل، تتسع المساحة بعد ذلك لسرد الإشاعات وتفاصيل الطيور السوداء، وهي مشاهد غنية بصريًا، لكنها أحيانًا تميل إلى التراكم الوصفي الذي يخفف من حدة الرهبة بدل أن يعمقها.
ومن الملاحظات التي تستحق التوقف أيضًا، بعض الارتباك في الإطار الزمني؛ فالإشارة إلى “الصانع الفرنسي” توحي بمرحلة تاريخية محددة أو بوعي بوجود أجنبي، بينما استخدام لفظ “المحروسة” واللغة التراثية يوحيان بزمن أقدم. هذا التداخل كان يمكن أن يكون عنصرًا ثريًا لو جاء مقصودًا ومُدارًا، لكنه في صورته الحالية يخلق شيئًا من عدم التحديد.
أما على مستوى الدقة التعبيرية، فثمة مواضع تحدث لبسًا غير مقصود، مثل عبارة “صاحب التمثال”، التي قد تُفهم على أنها تشير إلى مالك التمثال أو صانعه، بينما المقصود الشخص الذي يعتليه. مثل هذه التفاصيل الصغيرة تُحدث توقفًا ذهنيًا لدى القارئ، وتولد توترًا في السرد ليس ناتجًا عن الحدث، بل عن الالتباس اللفظي.
وفي السياق نفسه، يظهر استخدام “بحر النيل” بدلًا من “نهر النيل” كاختيار يبتعد عن الدقة في نص يسعى إلى ضبط لغته، وإن كان يمكن تبريره في بعض السياقات الشعبية.
أما قصة “هدير الجماهير”، فهي لا تنشغل بحكاية بقدر ما تنشغل بحالة؛ حالة يتلاشى فيها الفرد داخل صوت أكبر، ويتحول الحكم من فعل عقلاني إلى رد فعل جمعي لا يرى بل يندفع. ومن هنا، فالنص لا يُقرأ بوصفه واقعة، بل بوصفه بنية رمزية معقدة، تتداخل فيها النفس بالمجتمع، والواقع بالوهم، والضمير بالخوف.
منذ المشهد الأول، حيث الصبية والكرة، يبدو العالم بريئًا ومفتوحًا على اللعب. لكن هذه الكرة، التي تبدأ كأداة متعة، لا تلبث أن تتحول تدريجيًا إلى محور صراع ثم إلى “قضية” تستدعي الحشد والهتاف. هذا التحول يكشف آلية مركزية في النص: كيف يمكن لتفصيلة صغيرة أن تصبح ذريعة لانفجار جماعي حين تجد بيئة مستعدة للتضخيم.
وفي قلب هذا العالم، تظهر المغنية الغجرية بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات كثافة رمزية؛ فهي تمثل الهامش الاجتماعي، والجسد العامل، والأمومة في آن واحد. تغني وترقص، وفي الوقت ذاته ترعى رضيعتها. هذه الازدواجية لا تراها الجماهير، بل تختزلها في صورة واحدة قابلة للحكم، ومن هنا تتجلى إحدى أفكار النص الأساسية: المجتمع لا يتعامل مع الباطن، بل مع الظاهر الذي يسهُل تصنيفه.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في صورة الطفلة الرضيعة وهى بجوار عازف الناي. هنا يضع النص عنصرين في مواجهة صامتة: الطفلة: البراءة الخالصة، الضعف المطلق، الحياة في مهدها الأول.
وعازف الناي: نغمة حزينة، صوت خافت، فن قد يفقد مَن يسمعه وسط الضجيج.
هذا التجاور ليس اعتباطيًا، بل يوحي بأن البراءة محاطة بصوت لا يملك القوة بقدر ما يملك الحساسية؛ أي أن ما يحرس الهشاشة ليس السلطة ولا الجماهير، بل نغمة ضعيفة تكاد تضيع. لكن المفارقة القاسية أن بكاء الطفلة، وهو التعبير الأصدق عن الاحتياج، يُقابل بالضجر والتذمر، في صورة تكشف قسوة الجماهير في أوضح صورها؛ براءة لا تُحتمل إذا أزعجت الإيقاع العام.
وتتعزز هذه الفكرة في علاقة المغنية بمدير الفندق، الذي يمثل سلطة نفعية تُقنن الظلم. فهو لا يعترض على جمع “النقوط” من حيث المبدأ، لكنه يتخذه ذريعة للعقاب حين تُرفض رغباته الشخصية. وفي هذا الجزء يظهر خلط بين “النقوط” و”البقشيش”، يخلق ارتباكًا في منطق الحدث؛ فالأول يُطلب غالبًا، بينما الثاني يُقدم طواعية. ومع ذلك، يمكن قراءة هذا الخلل تأويليًا بوصفه انعكاسًا لطبيعة السلطة نفسها، التي لا تحتاج إلى دقة بقدر ما تحتاج إلى مبرر.
أما الشخصية الأكثر إرباكًا وعمقًا، فهي المرأة التي تظهر وتختفي. حضورها بملابس النوم يمنحها طابعًا حميميًا وهشًا، ويجعلها أقرب إلى تمثيل الضمير، لا بوصفه قيمة مجردة، بل بوصفه حالة إنسانية مُلتبسة تختلط فيها الرغبة بالحقيقة. واختيار أن يكون الضمير في هيئة امرأة ليس تفصيلًا شكليًا، بل يحمل دلالة اجتماعية ونفسية معًا؛ فهو من جهة يضع الضمير في موضع قابل للحكم الأخلاقي السريع، ومن جهة أخرى يكشف ارتباك الذات في التمييز بين ما هو أخلاقي وما هو مرغوب.
اختفاء هذه المرأة لا يعني غيابها بقدر ما يكشف عن طبيعة الإدانة نفسها. فالنص يُلمح إلى تواطؤ البطل ومشاركته في التخلص منها، وهنا لا تعود الإدانة فعلًا خارجيًا فقط، بل تتحول إلى خيانة داخلية، حيث يتخلى الفرد عن صوته الخاص تحت ضغط الجماعة.
وتبلغ هذه الفكرة ذروتها مع تصاعد “هدير الجماهير”، الذي لا يبقى مجرد صوت خارجي، بل يتحول إلى قوة مادية تهز المكان وتدفع الشخصيات إلى الانهيار. فالمبنى يتمايل “كنخلة عجوز”، ثم يتدحرج الجميع “كالكرة”، وكأنهم لم يعودوا يتحكمون في اللعبة، بل صاروا جزءًا منها.
ثم تأتي مفاجأة “العيادة”، وهي النقلة التي لا تبطل ما سبق بقدر ما تعيد تأويله؛ فالأحداث التي بدت خارجية يمكن قراءتها الآن بوصفها امتدادًا لصراع داخلي. الجماهير لم تعد حشدًا في الخارج، بل صوتًا يسكن الداخل، وبذلك ينجح النص في نقل الفكرة من مستوى اجتماعي إلى مستوى نفسي.
ومع ذلك، تكشف هذه النهاية عن مفارقة نقدية؛ فهي من جهة تضيف عمقًا وتأويلًا غنيًا، لكنها من جهة أخرى تأتي مفاجئة أكثر من كونها نتيجة متدرجة، وكأن النص اعتمد على الانقلاب الأخير لتعزيز دلالته بدلًا من ترسيخ هذا البعد عبر البناء التدريجي.
وعلى مستوى الكتابة، يحقق النص نجاحًا واضحًا في المشهدية؛ فصورة الطفلة بجوار عازف الناي، أو الجماهير التي تحاصر المكان، أو الطوبة التي تخترق الزجاج، كلها لحظات بصرية قوية. غير أن هذا النجاح لا يوازيه دائمًا ضبط في الانتقال بين المشاهد، حيث تبدو القفزات أحيانًا مفاجئة، ويغيب الخيط الرابط بين الحلم والواقع. كما يعاني النص من قدر من الإسهاب، خاصة في تكرار فكرة الجماهير.
أما قصة “طالب حقوق”، فتتناول الفساد المرتبط بالانتخابات، وفيها يحاول الكاتب توظيف تقنية الفلاش باك، إذ يبدأ بالمشهد الأخير ثم يعود إلى المشهد الأول، قبل أن يغلق الدائرة بالعودة إلى نقطة البداية. من حيث الفكرة، يبدو هذا البناء طموحًا، إذ يسعى إلى كسر الخطية الزمنية وإضفاء بُعد درامي على السرد.
إلا أن التنفيذ لم يبلغ الدرجة الكافية من الإحكام، حيث جاء الانتقال بين الأزمنة مباشرًا ومعلنًا، دون تمهيد لغوي أو إشارات سردية كافية تُشعر القارئ بانسيابية الحركة الزمنية. فبدل أن يكون الاسترجاع جزءًا من نسيج الحكي، بدا أقرب إلى تقسيم مشهدي صريح يذكّر ببنية السيناريو أكثر من كونه سردًا قصصيًا متدفقًا.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه المحاولة بوصفها إخفاقًا خالصًا، بقدر ما تكشف عن ميل واضح لدى الكاتب إلى التفكير بالمشهد، وبناء اللقطات، وترتيبها بصريًا وزمنيًا، وهو ما يشير — في جانب إيجابي — إلى قابلية هذا الصوت السردي للتطور في اتجاه الكتابة الدرامية أو السيناريو. وهذا ما يمكن ملاحظته في أكثر من نص داخل المجموعة، أرى أن مصطفى الخطيب لا يكتب القصة بوصفها حكاية فقط، بل بوصفها مشهدًا قابلًا للرؤية والتحول إلى صورة.
أما بقصة ثقبان أسودان
تحدث عن ظاهرة تتكرر كل يوم وهى الشحاذة ، لم يترك لنا سوى الحيرة ، هل نحن مذنبون تجاه هؤلاء ام انهم اختاروا الطريق الأسهل؟
اختارها أيضا أمرأة للتعاطف ، اختارها منقبة تخفي وجهها ، ليحمل دلالة مزدوجة ، الأولى لإخفاء الكذب أو ربما الخجل من الفعل ، والثانية أننا دائمًا نرى جزءًا من الحقيقية.
وفي قصة صغير الجاموس
عرض الواقع بطريقة ساخرة ، جميعنا يجلس امام الهاتف ، نرفع الشاشة ، نرى الظلم ، نبكي ، نشجب ، المفارقة ربما تأتي من اصغر كائن نملة حين تحركت يمين ويسار الشاشة وتصادف تغيير مسار الحدث، رسالة موجه للقارئ لا تستصغر ما تفعله ربما يكون سببًا في التغيير.
وفي المحصلة، تطرح “سباع مجوفة” عالمًا تتحرك فيه الشخصيات تحت ضغط الخوف والجماعة والسلطة والأوهام الحديثة، حيث تتغير الأدوات لكن يبقى الإنسان هشًا أمام ما يقوده من الخارج. وبين قوة المشهدية، وثراء الرموز، وبعض الارتباكات في البناء والانتقال، تتشكل تجربة سردية تستحق التوقف، لا لأنها تقدم إجابات نهائية، بل لأنها تفتح أبوابًا واسعة للأسئلة والتأويل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك