هل تدعم القاهرة ونيروبي ماكرون في مواجهة تغلغل النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا
يواجه إيمانويل ماكرون في جولته الحالية في إفريقيا ما يُشبه اختباراً وجودياً لفرنسا كقوة متوسطة في عالم متعدد الأقطاب، حيث لا تُقاس مكانته بحجم الصفقات فحسب، بل بقدرته على الحفاظ على نفوذ باريس في مواجهة التغلغل الروسي والتمويل الصيني السريع، وسط ضعف واضح في أوراق السياسة الخارجية التقليدية التي اعتمدت على “الدبلوماسية الأبوية”.
الرافال في موازنة النفوذ
نشطت زيارة ماكرون لمصر كنقطة انطلاق لجولته، حيث تبرز مقاتلات “رافال” المدخرة في الأسطول المصري كرمز لعلاقة استراتيجية تربط بين القاهرة وباريس، وتحولها من مجرّد صفقة عسكرية إلى أداة لترسيخ شراكة أمنية وسياسية متكاملة.
تسعى فرنسا عبر هذه الزيارات إلى تجديد صورة نفوذها في أفريقيا، لا بالرحمة أو القرب التاريخي، بل بال Deals قادرة على المنافسة في سوق الأسلحة والأمن التي تتنافس عليها اليوم روسيا والصين والولايات المتحدة.
التمويل الصيني والشراكة الرقمية
بينما تقدم الصين صفقات مالية وبنية تحتية ضخمة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، تركز فرنسا على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، محاولةً جذب الدول الإفريقية عبر اتفاقات استثمارية وتقنية بدل الانخراط في معارك تمويلية خاسرة.

استثمار ماكرون في الجامعات الفرانكفونية ومراكز البيانات والتحول الرقمي في مصر وكينيا يعبّر عن محاولة لتحويل اللغة المشتركة والاقتصاد المعرفي إلى “قوة ناعمة” تنافس القروض الصينية وشبكات الموانئ والطرق التي تُبنى بسرعة وبرؤية طويلة الأمد.
مصر وكينيا: حلفاء الضرورة
في هذا السياق، باتت مصر وكينيا بمثابة حلفاء إقليميين محوريين لماكرون؛ فالقاهرة تتحكم في قلب الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية، بينما تعد نيروبي مركزاً لوجستياً وتجارياً في القرن الإفريقي وشرق القارة.
الجولة التي تشمل الطرفين تُقرأ كمحاولة لترسيخ شراكة استراتيجية تقود تحالفاً إقليمياً قادرًا على منافسة التحالفات التي تُبنى حول روسيا أو الصين، لا سيما في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والطاقة.
من الدبلوماسية الأبوية إلى براغماتية المصالح
ما يميّز هذه الجولة أنها تُجسّد تحولاً جذرياً في نهج السياسة الفرنسية تجاه القارة، حيث يتم التخلي تدريجياً عن خطاب “الفرانكوكونية الأبوية” والحديث عن “المسؤولية الاستعمارية” لصالح لغة “المنافع المتبادلة” و”الشراكة القارية”.
يدرك ماكرون أن هيبة الإليزيه في أفريقيا لم تعد تُقاس بحجم الاستثمارات الفرنسية فحسب، بل بمدى قدرتها على تشكيل تحالفات قادرة على الصمود أمام التوسع الروسي في الساحات المسلحة والتمويل الصيني السريع في ميادين الاقتصاد والبنية التحتية.
رهان على العام الأخير قبل الرحيل
تكتسب هذه الجولة زخماً إضافياً في ضوء توقعات تمضي نحو نهاية ولاية ماكرون، إذ يُنظر إليها كفرصة أخيرة لترسيخ بصمة دولية تُذكر بها فترة رئاسته، لا سيما في بؤرة تعتبر اليوم من أشد ميادين الصراع الجيوسياسي والتنافس الاقتصادي.
يحاول ماكرون عبر هذه الرحلة أن يثبت أن فرنسا ما زالت قادرة على لعب دور “لاعب متوازن” في نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا يُقاس فقط بقوة طائرات “رافال”، بل بقدرة قواعد اقتصادية ورقمية وتحالفية على الصمود أمام التحديات.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك