بين سحر ستانيسلافسكي وهيبة بريشت عجينة الصلصال وصخرةالجرانيت
(بين سحرِ "ستانيسلافسكي" وهيبةِ "بريشت": عجينةُ الصلصالِ وصخرةُ الجرانيت.. الخريطة الجينية للأداء المسرحي؛ "المرأة الزئبق" د.عواطف نعيم في مواجهة "الكاهنة الرمز" د.شذى سالم.
تدفقت رؤى النقد المسرحي الأكاديمي ووقفت ملياً، عند حدود مقاربته للتجارب الأدائية الكبرى، حيث كانت هناك خرائط جينية بالغة التعقيد، تفرعت إلى مدارس ومناهج تراوحت بين الانصهار الكلي في بوتقة الشخصية لخلق عوالم جمالية متجددة، وبين الحضور الأيقوني المهيب الذي يطوع الشخصية لصالحه.
في المشهد المسرحي العراقي والعربي، برزت قامتان شاهقتان مثلتا قطبي هذا الجدل الفني الفلسفي: الدكتورة عواطف نعيم، والدكتورة شذى سالم. إن المقارنة بين هذين القطبين ليست تفضيلاً لمنهج على آخر، بل هي تفكيك لآليات اشتغال "الممثل الخالق" في مواجهة "الممثل النجم"، عبر استعارة بصرية ومادية دقيقة تتمثل في ثنائية "الصلصال" و"الجرانيت".
تجلت عبقرية الأداء لدى الدكتورة عواطف نعيم من خلال امتلاكها أدوات الممثل "الصلصالي"؛ فتلك الطينة الفنية اللينة والمطواعة تتيح لها التخلي الكامل عن أناها لتتشكل بانسيابية مطلقة داخل أي قالب، على سبيل المثال سواء كان لطفلة تضج بالحياة وتعشق الحلوى وتحلق مع كركرات الطفولة وهي تجري وتقفز حالمة بدميتها، أو لامرأة كهلة أثقلتها التجارب وصارت صوتاً وجسداً وإحساساً طاعناً بالوجد والألم. وعند هذه الجزئية ولمختلف الأدوار تواجدت فلسفة الأداء الصادق بمختلف سني تجربة الدكتورة عواطف الفنية مسرحاً، وسينما، وتلفزيوناً. وما أن تكتمل عملية التقمص وتدخل شخصيتها أتون الخشبة أو في مواجهة الكاميرا، حتى تكتسب تلك العجينة اللينة بعد تشكيلها صلابةً وقوةً وحضوراً واقعياً لا يقبل الشك. هذا الأداء، الذي يقترب من سحر مدرسة "ستانيسلافسكي" في المعايشة، ومختبرات "جروتوفسكي" في تجريد الممثل من ذاته، يذكرنا بعبقرية المصرية "أمينة رزق" التي كانت تذوب كلياً في أدوارها حتى تتلاشى هويتها الشخصية لصالح هوية النص. ولعل كون الدكتورة عواطف نعيم كاتبة ومخرجة، قد منحها هذه البصيرة التشريحية لتفكيك الشخصيات والاندماج في جيناتها العميقة، لتستحيل إلى "امرأة زئبقية" تتشكل وفق تضاريس الدور بإيقاع مقنع وصادق.
وفي الضفة الموازية، شمخَ أداء الدكتورة شذى سالم بجمالية "الجرانيت" الأصيل ومتانته، حيث تستند إلى خامة أدائية بالغة الصلابة والهيبة لا تقبل الذوبان أو الانصهار الكلي في الآخر. إنها لا تتشكل وفق الشخصية، بل تنحت الشخصية على قوامها الرخامي المهيب وصوتها الرخيم، لتحتفظ في أدوارها بتلك الهالة الأيقونية الثابتة التي تمنح العرض ثقلاً كلاسيكياً ورصانة لا تتزعزع. هذا المنهج لا يعد قصوراً عن التقمص، بل هو انتماء أصيل لمدرسة "الممثل النجم" والمقاربة "البريشتية" الملحمية، حيث يقف الممثل بوعيه الكامل، مستعرضاً طاقته وكاريزماته دون أن يفقد سيطرته على المتلقي. وهو ذات الأداء الذي تميز به أساطين المسرح الكلاسيكي العالمي مثل "ريتشارد برتون" صاحب الصوت الذهبي و"سارة برنار" الملقبة بــ"سارة الإلهية"، حيث كان حضورهما الطاغي يسبق الشخصية ويغلفها بهيبة لا تُمحى. شذى سالم هي "الكاهنة الكلاسيكية" التي تفرض طقسها الصارم على الخشبة، وتُخضع الشخصية لقالبها الملكي.
إن تتبع الفجوات الأدائية بين هاتين المدرستين يكشف عن تباين واضح في ميكانيزمات التلقي والتأثير. فبينما تخلق عواطف نعيم "حالة من اللايقين" والتجدد المستمر الذي يدهش المتلقي عبر انمحاء الذات، تؤسس شذى سالم لـ "حالة من التوقع المهيب" حيث ينتظر الجمهور تجلي تلك الكاريزما المألوفة والمحببة. هذا التباين تصادق عليه القراءات النقدية الرصينة لأساتذة المسرح العراقي؛ إذ لطالما صنف أساتيذ المسرح العراقي مثل الراحلين "د.فاضل خليل" و"د.سامي عبدالحميد" عواطف نعيم في صميم مدرسة "الصدق السيكولوجي"، بوصفها طاقة انصهارية تمتلك قدرة استثنائية على الإمساك بزمام التحولات النفسية العميقة والذوبان الكلي في بنية العرض.
في المقابل، تؤكد التطبيقات النقدية الحديثة؛ كما تجلى في القراءات التي رافقت أداء شذى سالم في عروض كمسرحية "الجنّة تفتح أبوابها متأخرة" و"العرس الوحشي" و"جنون الحمائم" و"سيرك" على امتلاكها أبعاداً أكاديمية صارمة، وهو ما أشار إليه أيضاً الفنان الرائد الكبير عزيز خيون، حيث مثلت "سالم" الثقل الأكاديمي الكلاسيكي الذي يضبط إيقاع الخشبة بـ "الصوت الفاعل" الذي يمثل بحد ذاته آلة موسيقية شديدة الصرامة والفخامة.
وبالمثل، تتوافق انطباعات أساتذة المسرح العراقي من صناع الجمال، على أن المرونة الزئبقية للأولى، والصلابة الجرانيتية للثانية، هما نتاج تجارب ووعي مختلف بآليات التعبير الجسدي والصوتي.
ورغم هذا التباين المنهجي، يتجلى بينهما تناغم بوليفوني ساحر حين تلتقيان معاً في أعمال مشتركة إخراجاً وتمثيلاً، كما في روائع مسرحية مثل "جنون الحمائم" و"أنا وجهي" و"نساء لوركا". إذ تنجح عواطف نعيم –ببصيرتها الإخراجية وحسيتها الصلصالية– في استثمار الهيبة الجرانيتية والصوت الرخيم لشذى سالم، لتخلقا كيمياء جسدية وصوتية وحسية مدهشة تعيد تشكيل الفضاء المسرحي. في هذا اللقاء، تتضافر الصرامة الأكاديمية مع حرارة التقمص الانصهاري، ليتحول الصراع بين المدرستين إلى حوار موسيقي متكامل، يبدو فيه العرض وكأنه (كونشيرتو) تذوب فيه صلابة الصخر مع مرونة الطين لصناعة دفق شعوري متوهج، وهو ما يؤكد تماهي المنهجين واقترابهما المطاطي، وابتعادهما عن بعضهما البعض في الوقت ذاته، وفق فلسفة مسرحية جمالية كبرى.
ختاماً، لا يمكن قراءة الأداء المسرحي العراقي دون المرور بهاتين القامتين. إن "الصلصال" الذي يحترق بنار التماهي ليصبح تحفة نابضة بالحياة والمفاجآت، و"الجرانيت" الذي يُنحت بوعي كلاسيكي ليصبح صرحاً من الهيبة والوقار، هما وجهان لعملة الإبداع المسرحي الأصيل. لا تفاضل في الفن الحقيقي، فكما يحتاج البناء المعماري إلى مرونة الطين وشموخ الصخر، يحتاج المسرح إلى سحر عواطف نعيم وهيبة شذى سالم؛ لتبقى الخشبة مضاءة بتوهج الاختلاف وعبقرية التنوع.)
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك