غرناطة: مدينة الرمان الدمشقي.. إرث أندلسي لا يموت
غرناطة، جوهرة الأندلس في جنوب إسبانيا، تحمل في اسمها صدىً تاريخيًا عربيًا عميقًا. ففي اللغة الإسبانية، "Granada" تعني "الرمان"، لكن العرب هم من حرفوها إلى "غرناطة" عندما دشنوها كمركز حضاري مزدهر على سفوح جبال سييرا نيفادا، شرقي طرطوشة القديمة وجنوب غرناطة الحالية.
جلب المسلمون شتلات الرمان من دمشق وبساتين الشام، فغرّسوها في تربة الأندلس الخصبة، لتصبح رمزًا باقيا لعصرهم الذهبي الذي امتد لثمانية قرون.
يعرف الإسبان هذه القصة جيدًا، خاصة أهل المنطقة الذين يحتفلون سنويًا منذ بداية أكتوبر وحتى نهاية نوفمبر بـ"مهرجان جني الرمان"، الذي يُلقب بـ"الزمرد الأحمر". في هذه الفترة، تتحول بساتين غرناطة إلى لوحات فنية حية، حيث يُقطف الثمر الأحمر اللامع يدويًا، ويُحوّل إلى عصائر طازجة وعسل رماني شهير، وسط عروض موسيقية وأسواق شعبية تجذب الآلاف من السياح والمحليين. هذا الاحتفال ليس مجرد حدث زراعي، بل تكريم للإرث العربي الذي غيّر وجه الزراعة في أوروبا.
يعود تاريخ غرناطة إلى القرن الثامن الميلادي، عندما فتح المسلمون الأندلس عام 711م، وسرعان ما أصبحت عاصمة مملكة الطوائف في القرن الحادي عشر.
كانت بساتين الرمان جزءًا من نظام ري متقدم أسسه العرب، مستوحى من تقنيات بلادالمشرق، مثل "القنوات" والسدود الصغيرة التي لا تزال تعمل حتى اليوم.
وصف المؤرخون مثل ابن الخطيب في كتابه "الإحاطة في أخبار غرناطة" سحر غرناطة فقال : كانت المدينة مليئة بحدائق الجنة التي ورد ذكرها في القرآن، مع الرمان كرمز للخصوبة والجمال.
حتى بعد سقوط غرناطة عام 1492م على يد الكاثوليك، بقيت الشجرة شاهدة على تلك الحقبة، محتفظة بنكهتها الدمشقية الأصيلة.
اليوم، تنتج غرناطة أكثر من 20 ألف طن من الرمان سنويًا، ويُصدر إلى أوروبا والعالم العربي، وتتم زراعته طبقا لتقاليد زراعية عربية أصيلة.
خبراء الزراعة مثل الدكتور خوسيه أنطونيو غارسيا، من جامعة غرناطة، يؤكدون أن جينات الرمان الدمشقي لا تزال موجودة في الأصناف المحلية، مما يجعل الثمرة أكثر حلاوة وغنى بمضادات الأكسدة مقارنة بغيرها.
في غرناطة، لا يموت الإرث العربي؛ إنه ينمو مع كل حبة رمان تُقطف، تذكيرًا بأن الحضارات تترك بصماتها في الأرض قبل أن تُمحى من الذاكرة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك