من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بين الحقيقة والقناع: فلسفة الازدواجية البشرية

رضوى الدسوقي
بين الحقيقة والقناع: فلسفة الازدواجية البشرية


في مساءٍ ثقيلٍ يشبه ازدحام الأفكار داخل الرأس، كنتُ أجلس في مقهى صغير أراقب الناس كما لو أنني أقرأ كتابًا مفتوحًا. الوجوه تمرّ أمامي متشابهة، لكن شيئًا ما كان يفضح اختلافها؛ نظرةٌ مرتبكة، ابتسامة ناقصة، ضحكة عالية تخفي تعبًا عميقًا. أدركت حينها أن البشر لا يعيشون كما يظهرون، بل كما يخفون.

كان الجميع يبدو بخير، بينما الحقيقة تتسرّب من أعينهم كالمطر من سقفٍ قديم. الرجل الذي يتحدث بثقةٍ عن المبادئ يساوم عليها عند أول اختبار، والمرأة التي تُظهر القوة تخفي في داخلها قلبًا مرهقًا من كثرة الخيبات، والصديق الذي يبالغ في الاطمئنان يخشى الوحدة أكثر مما يعترف. هنا فقط فهمت أن الازدواجية ليست دائمًا نفاقًا صريحًا، بل أحيانًا وسيلة نجاة يرتديها الإنسان كي يمرّ من الحياة بأقل قدرٍ من الانكسار.

فالواقع لا يرحم الصادقين دائمًا. نحن نعيش في عالمٍ يدفع الناس إلى التجمّل حتى في مشاعرهم؛ نخفي الحزن حتى لا يُقال إننا ضعفاء، ونبتسم كي لا يلاحظ أحد حجم الفوضى داخلنا. نتحدث بثبات بينما أرواحنا ترتجف، ونقول: “أنا بخير” كأنها جملة إنقاذ نكررها حتى نصدقها نحن أيضًا.

الازدواجية تبدأ صغيرة جدًا؛ مجاملة لا تشبه الحقيقة، صمتٌ نخفي به رأيًا، أو قناعٌ نرتديه خوفًا من خسارة شخصٍ ما. لكنها مع الوقت تكبر بهدوء، مثل شقٍ صغير في جدارٍ قديم، حتى يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه. يؤدي أدوارًا كثيرة لدرجة أنه ينسى أيها يمثله فعلًا.

والمؤلم أن بعض الناس لا يدركون أنهم أصبحوا مزدوجين. يعتادون الأقنعة كما يعتاد السجين جدران زنزانته. في العمل شخصية، ومع الأصدقاء شخصية أخرى، وفي الداخل روح متعبة لا تشبه كل تلك الوجوه. كأن الإنسان يتحول إلى مرآة تعكس ما يريده الآخرون، لا ما يشعر به حقًا.

لكن الحقيقة تظل أثقل من أن تُخفى للأبد. فالقلب، مهما أتقن التمثيل، يتعب. والروح التي تعيش عمرها خلف الأقنعة تصبح كغرفةٍ مغلقة ينقصها الهواء. لذلك نرى كثيرين يملكون كل شيء ظاهريًا، بينما هم من الداخل هشّون كزجاجٍ متصدع.

وربما لا تكمن المشكلة في أن الإنسان يخطئ أو يتناقض، فكلنا نفعل ذلك، بل في أن يتحول التناقض إلى أسلوب حياة، وأن يصبح الزيف أكثر راحة من الصدق. حينها يفقد الإنسان أبسط علاقة مع نفسه، ويعيش عمره يطارد صورةً صنعها للناس بينما حقيقته تقف بعيدًا، وحيدة، تنتظر أن يعترف بها.

وفي النهاية، لا أحد يحتاج أن يكون مثاليًا، فالكمال وهمٌ يرتديه البشر في العلن فقط. ما نحتاجه حقًا هو قدرٌ من الصدق يكفي لأن نعيش دون خوف، ودون هذا الإرهاق الدائم من ادعاء القوة أو السعادة أو الثبات. لأن الإنسان، مهما اختبأ خلف ألف قناع، سيظل يبحث عن لحظةٍ يستطيع فيها أن يكون نفسه… دون تزييف.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8755
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.