شاعرٌ ينعى نفسَهُ ويُخلِّدُهُ الحُبُّ
إنَّها واحدةٌ من أندرِ اللحظاتِ في الشِّعرِ السُّوداني، حيثُ تحوَّلَ المَرضُ إلى قصيدةٍ، والقصيدةُ إلى خلودٍ.
إنَّهُ حالٌ بَئيسٌ لشاعرٍ واجهَ مَرضَهُ بالكلماتِ، فحوَّلَ الأنينَ إلى نَصٍّ خالدٍ، وجعلَ من الحُبِّ دواءً يُخلِّدهُ في القلوبِ.
لم يَكتبْ تقريرًا طِبِّيًّا، بل حملَ إلى مديرِ المستشفى الرَّئيسيِّ بالخرطومِ قصيدةً تُشخِّصُ الألمَ وتُعلنُ الفقدَ، كأنَّها صَوتُ مَريضٍ يُودِّعُ نَفسَهُ ويُسلِّمُها إلى الخلودِ.
في قصيدتِه قال:
ما شقيتُك... وأنتَ الشقيتَني
ما جفيتُك... وأنتَ الجفيتَني
ما نسيتُك... وأنتَ النسيتَني
في بحورِ الحُبِّ كم رميتَني
وكؤوسِ الصَّدِّ كم سقيتَني
هُوَ نَصٌّ يَفيضُ بالأنينِ، يَتدفَّقُ بالاعترافِ، يُحوِّلُ العِشقَ إلى مَرضٍ، ويَجعلُ المَرضَ عِشقًا.
إنَّهُ صَوتُ مَن أرهقَهُ الهوى، فصارَ يُناجي مَحبوبتَهُ كأنَّها الدَّواءُ، ويُناجي نَفسَهُ كأنَّها المَريضُ.
ثمَّ يَرتقي إلى ذُروةٍ بليغةٍ، حيثُ يَستَحضرُ صُورَ الجَمالِ المُطلَقِ:
خدٌّ ماسةٌ، وثَغيرُهُ مُبسمْ
حُسنُ يوسفَ، وعفافُ مريمَ
نَغمةُ المزمارِ لو تكلَّمْ
زينةُ الأزمانِ لو تَكتمْ
الدررُ تنسابُ لو تبسَّمْ
هُنا يَتجلَّى الشِّعرُ كأنَّهُ مَوكِبُ وداعٍ، يَستَسلمُ فيهِ العُشَّاقُ للحِمامِ، ويُعلِنُ الشاعرُ أنَّ حَظَّهُ أسودُ مِن كُحلِ عَينِها، وأنَّ الطُّهرَ باقي، والقَوامَ يَزينُهُ، وأنَّ البَسمةَ في عُرينِه تُخفي جُرحًا لا يَندملُ.
حُكمُهُ جارٍ... البِي لو يُقسَّمْ
أسلَمَ العُشَّاقُ للحِمامْ
حَظِّي أسودُ مِن كُحلِ عَينِهْ
طُهرٌ باقي... وقَوامٌ يُزينُهْ
بَسمةُ المَجروحِ في عَرينِهْ
دَثروني... مِن سَهمِ عَينِهْ
زَمِّلوني... مِن دُرِّ نَغيمِهْ
سُكرُهُ يَصفو مِن غيرِ مُدامْ
اذكريني... ثُمَّ اذكريني
أوعديني... ثُمَّ امطليني
ذَكريني... شَوقي وحَنيني
أوعديني... ثُمَّ ارشفيني
قُبلةً مَعسولةً ارشفيني
وفي خِتامِ القصيدةِ، يَرتفعُ صوتُهُ إلى نَغمةِ الفَقدِ:
الوداع... يا مَصدرَ فُنوني
الوداع... يا مَنبعَ أنيني
الوداع... حَبيبي الوداعْ
لقد واجه خضر حسن سعد مَرضَهُ بجرأةٍ شعريّةٍ، فحوَّلَ السوادَ إلى نَغمةٍ، والأنينَ إلى اعترافٍ، والوداعَ إلى خلودٍ.
إنَّهُ شاعرٌ نعى نفسَهُ، لكنَّهُ تركَ لنا إرثًا يَفيضُ بالعاطفةِ الساميةِ، ويُخلِّدهُ في ذاكرةِ الحُبِّ السودانيّ.
هذه القصيدة ليست مجرّد نَصٍّ غزليٍّ، بل هي تشخيصٌ شعريٌّ للمرض، ومناجاةٌ متخيَّلة بين الشاعر ومحبوبته، حيث يَستجدي منها الدواء، ويُحوِّل أدوات العلاج إلى رموزٍ للحبّ: الخِضابُ دواء، والإبرُ شفاء، واليدُ الحنونُ كفٌّ تمسحُ صباحَهُ ومساءَهُ.
رحمَ اللهُ الشاعرَ المجيدَ خضر حسن سعد، وأسكنَهُ فسيحَ الجنانِ، وجعلَ قصيدتَهُ شاهدًا على أنَّ الحُبَّ يَنتصرُ على الموتِ، وأنَّ الشعرَ دواءٌ لا ينفد.
الإسكندريَّةُ الأربعاءُ الثَّالثَ عَشرَ مِن مايو 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك