من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

السيسي يعيد تشكيل الخريطة

إعداد الدكتورة مايسة خليل حسن المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
السيسي يعيد تشكيل الخريطة



في أقل من أسبوع، نفذ الرئيس عبد الفتاح السيسي سلسلة من التحركات دعمت من التحول الراهن للقدرات المصرية من لاعب إقليمي إلى صانع للمعادلات في الإقليم. فبين مقاتلات ترابط في سماء الإمارات، وقمة فرنسية في الإسكندرية، وحضور أفريقي في كينيا وأوغندا، ومشاركة مؤثرة في قمة نيقوسيا بقبرص قبل أيام، يرسم السيسي خريطة جديدة لمصر: دولة لا تنتظر الأحداث، بل تسبقها وتصنعها. وهذه التحركات المتزامنة في ثلاث قارات لم تكن مجرد دبلوماسية تقليدية، بل كانت ترجمة لعقلية استباقية تعرف أن اللحظة الراهنة هي لحظة إعادة كتابة قواعد اللعبة.


هذه التحركات ليست ردود فعل عابرة على حرب إيران وأمريكا وإسرائيل التي اشتعلت في أبريل 2026، بل هي ثمرة عقلية استباقية تشكلت في مدرسة العمل المخابراتي. الرئيس السيسي يمتلك قدرة فريدة على قراءة الخرائط كما ستصبح غداً، لا كما هي اليوم. وعندما انفجرت الحرب وأغلقت مضيق هرمز بشكل شبه كامل، وانهارت سلاسل الإمداد، وتعرضت الإمارات لهجمات إيرانية غير مسبوقة، وجدت القاهرة نفسها جاهزة بأدواتها وخططها، بينما كانت عواصم أخرى تعيش حالة ارتباك وترقب. هذا هو الفارق الذي تصنعه الخبرة المخابراتية حين توضع في خدمة السياسة: أن تتحرك الدولة قبل الأزمة، وأن تكون الخطة جاهزة قبل التهديد، وأن تمتلك البدائل قبل أن تنهار الخيارات.


قبل أيام من هذه التحركات، وتحديداً في 24 أبريل 2026، انعقدت قمة نيقوسيا في قبرص، حيث اجتمع قادة مصر والسعودية والأردن ولبنان وسوريا مع قادة الاتحاد الأوروبي. الحرب في إيران كانت في شهرها الثاني، ومضيق هرمز مغلقاً، وأسطول أمريكي يفرض حصاراً وآخر إيراني يهدد باستهداف أي سفينة. في هذا المشهد المتأزم، لم تكن مصر مشاركاً عادياً في القمة، بل كانت الحلقة الأكثر متانة في سلسلة الأمن الإقليمي، والوسيط الأكثر قدرة على ترجمة المخاوف الأوروبية والعربية إلى لغة سياسية مفهومة. القمة كانت اعترافاً أوروبياً-عربياً صريحاً بأن الحرب تجاوزت حدودها الإقليمية وأصبحت تهدد أمن الطاقة العالمي وأسعار الغذاء، وبأنه لا يمكن مواجهة هذه التداعيات دون شريك عربي موثوق وقادر على التحرك في كل الاتجاهات: مصر. موقع مصر في نيقوسيا كان مركزياً، حيث قدم الرئيس السيسي رؤية متكاملة للأزمة، وأكد أن أي تسوية في المنطقة يجب أن تمر عبر القاهرة. قمة نيقوسيا كانت البروفة التي سبقت التحركات اللاحقة، وأثبتت أن مصر تمتلك قنوات اتصال مع كل الأطراف، ورؤية واضحة للتسوية، وإرادة حقيقية لوقف التصعيد.


ثم جاء الكشف عن "مفرزة المقاتلات المصرية" في الإمارات، وهو الحدث الأكثر دراماتيكية في هذه السلسلة. لم يكن هذا الكشف مجرد رد على التهديد الإيراني المباشر، بل كان رسالة متعددة الأبعاد تتجاوز طهران إلى فاعلين آخرين طالما راقبوا المنطقة بعيون طامعة. فإسرائيل، التي خرجت من الحرب مع إيران أكثر جرأة وأكثر تهتكاً، لم تخفِ أبداً طموحاتها التوسعية في شبه جزيرة سيناء وفي مياه البحر الأحمر وحتى في علاقاتها مع بعض دول الخليج على حساب القضية الفلسطينية. هذه المخططات، التي تغذت على حالة الفراغ والفوضى، كانت تحتاج إلى رسالة واضحة وحاسمة تفيد بأن المنطقة ليست ساحة مفتوحة للأطماع. المقاتلات المصرية على أرض الإمارات لم تقل فقط "لا لإيران"، بل قالت بوضوح أكبر "لا لأي قوة إقليمية تظن أن انشغال العالم بحرب يسمح لها بإعادة رسم الحدود أو تغيير قواعد اللعبة". وجود هذه المقاتلات يقطع الطريق على أي سيناريو إسرائيلي يهدف إلى خلق واقع جديد في المنطقة دون مراعاة للمصالح العربية العليا، ويؤكد أن أي اعتداء على الخليج هو اعتداء على مصر، ليس بالكلمات فقط، بل بمقاتلات على الأرض.


بعد قمة نيقوسيا والإمارات، جاءت القمة الفرنسية على أرض الإسكندرية. في مشهد بدا فيه الرئيس إيمانويل ماكرون متجولاً في شوارع المدينة التاريخية، متفقداً قلعة قايتباي، ومستمعاً إلى شرح عن آثارها الغارقة، لم يكن الأمر مجرد جولة سياحية. كان إعلاناً عن شراكة استراتيجية تمتد إلى أفريقيا، وتشمل التعاون في السودان وليبيا والقرن الأفريقي، وتضع إطاراً لمواجهة المخططات الإقليمية الطامعة. أوروبا، التي تراقب بقلق تمدد النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا، والتقدم الصيني، والعودة الروسية، والعنف في الساحل والصحراء، وجدت في مصر الشريك الأكثر استقراراً والأكثر فهماً لتعقيدات القارة. ماكرون، الذي يظهر في الإسكندرية بأريحية وكأنها بلده الثاني، يرسل رسالة إلى العالم بأن مصر شريك لا يمكن تجاوزه، وأن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية في المتوسط وأفريقيا لن تكتمل بدونها. والإسكندرية، بتاريخها المتوسطي والأفريقي، كانت المكان المناسب لتأكيد هذه الشراكة المزدوجة.


لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى العمق الأفريقي، حيث تمتلك مصر جذوراً تمتد لقرون، وتمارس دوراً لا يمكن لأي قوة خارجية أن تحل محله. ففي الوقت الذي تشتعل فيه المنطقة من الشرق، تعمل القاهرة على إطفاء حرائق القارة السمراء وضبط إيقاعها، إدراكاً منها أن أمن مصر القومي يمتد غرباً إلى حدود ليبيا، وجنوباً إلى أعالي النيل، وشرقاً إلى البحر الأحمر. في كينيا، شارك السيسي في قمة أفريقيا-فرنسا حاملاً رؤية أن أوروبا وأفريقيا لا يمكن أن يجتمعا دون مصر، وأن مصر هي الضامن لاستقرار القارة التي تحاول إسرائيل اختراقها منذ سنوات. وفي أوغندا، التقى الرئيس يويري موسيفيني، ووضع ملف مياه النيل في صلب النقاش، مؤكداً أن التعاون وليس الصراع هو السبيل الوحيد لمواجهة تحديات ما بعد الحرب.


في السودان، وهو الجار الحيوي الذي تربطه بمصر علاقة وادي النيل الواحد، تعمل القاهرة على احتواء تداعيات الحرب الدائرة هناك منذ أبريل 2023. هذه الحرب التي مزقت السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، خلقت فراغاً أمنياً هائلاً على الحدود الجنوبية لمصر، وهددت الأمن المائي، وأغرقت المنطقة بالسلاح والمرتزقة والنازحين. مصر لم تكتفِ بمراقبة المشهد، بل انخرطت في جهود الوساطة، واستضافت مؤتمرات القوى السياسية السودانية، وحذرت من مخاطر تقسيم السودان. القيادة المصرية تدرك أن السودان الموحد والمستقر هو ضمانة لأمن مصر المائي والحدودي، وأن أي انهيار فيه سينعكس مباشرة على استقرار الصعيد المصري.


في ليبيا، تمنع مصر من تحول الجارة الغربية إلى بؤرة إرهاب تهدد حدودها الممتدة لأكثر من ألف كيلومتر. حيث دعمت القاهرة المؤسسة العسكرية الليبية في حربها ضد الجماعات المتطرفة، واستضافت مباحثات سياسية متكررة، ودعت إلى حل متوازن يخرج البلاد من عنق الزجاجة. ما بعد الحرب الإيرانية أعاد فتح ملف ليبيا، حيث تحاول قوى إقليمية ودولية استغلال الانهيار لفرض أمر واقع جديد. مصر تتحرك بحذر، تريد استقراراً حقيقياً وجيشاً وطنياً موحداً قادراً على حماية الحدود.


أما النزاع مع إثيوبيا وسد النهضة، فهو أطول الملفات وأخطرها. سد النهضة حوّل نهر مصر التاريخي إلى ورقة ضغط بيد قيادة إثيوبية. مصر لم ترفض التنمية الإثيوبية، لكنها أصرت على اتفاق قانوني ملزم يحمي منسوب مياه النيل الذي يمثل 97% من مواردها المائية. سنوات من المفاوضات المتعثرة دفعت مصر إلى تنويع استراتيجيتها: دبلوماسية مكثفة، وتحركات عسكرية تحذيرية، وبناء بدائل مائية، وتعزيز تحالفات إقليمية. القمة الفرنسية والزيارة إلى أوغندا تأتيان في هذا السياق، ففرنسا شريك مؤثر في القرن الأفريقي، وأوغندا دولة منبع رئيسية للنيل الأبيض وشريك استراتيجي لمصر.


ما يجمع هذه الملفات الثلاثة في رؤية واحدة هو أن القيادة المصرية تنظر إلى أفريقيا كمسرح متكامل، لا تتعامل معه كقارة منفصلة عن الشرق الأوسط، بل كجزء من نسيج الأمن القومي المصري. استراتيجية مصر في أفريقيا تحت قيادة السيسي تقوم على ثلاثة محاور: الدبلوماسية الوقائية ببناء علاقات متينة وتقديم مساعدات تنموية، والحلول السلمية للأزمات برفض التدخلات الخارجية ودعم الحلول الأفريقية، والأمن المائي كقضية وجودية تسعى لحشد الدعم الإفريقي والدولي.


فمنذ عام 2014، أعادت مصر بناء نفسها من الداخل والخارج. وفي عهد السيسي، عادت مصر بقوة إلى أفريقيا، وانضمت إلى تجمع الكوميسا، واستضافت منتدى السلام والتنمية في أسوان، وتولت رئاسة الاتحاد الأفريقي. هذه الرحلة الطويلة كانت تحضيراً لهذه اللحظة. واللافت أن التحركات المصرية لم تكن دفاعية أو ردة فعل، بل كانت استباقية، تتحرك في ثلاث دوائر متداخلة: خليجية، وأوروبية، وأفريقية، برسالة واحدة في كل دائرة: مصر موجودة، ومصر قوية، ومصر لن تسمح لأي قوة إقليمية، إيرانياً كانت أم إسرائيلية، بأن تعيد تشكيل المنطقة على حساب العرب والفلسطينيين ومصالح الأمة.


ما نراه اليوم هو ولادة مصر جديدة في عالم جديد، يقودها رجل يرى الخرائط بعيون من يقرأ الملفات قبل أن تُكتب. صنعت القيادة المصرية لنفسها حضوراً لا يمكن تجاوزه، ليس بالقوة وحدها، بل بقدرتها على رؤية ما هو آت قبل أن يأتي، وبحضورها المستمر في كل ساحات الصراع، من الخليج إلى المتوسط إلى أعماق أفريقيا. لم يعد أي طرف يستطيع تجاهل القاهرة، سواء كان في الخليج أو أوروبا أو أفريقيا أو واشنطن أو تل أبيب. النظام الإقليمي الجديد الذي يولد من رحم الحرب يُكتب اليوم، ومصر تقف في مركزه، وعين الرئيس السيسي هي التي ترسم ملامحه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8782
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.