من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ألمانيا تنزف: حين تُدمِّر قرارات الطاقة أكبر اقتصاد أوروبي

برلين، وكالات : " نقاش "
ألمانيا تنزف: حين تُدمِّر قرارات الطاقة أكبر اقتصاد أوروبي



الإفلاس الصناعي يتسارع، والشركات تفرّ، والاستثمار يتراجع إلى ما دون مستويات الجائحة

قبل عقد ونيف، كانت ألمانيا تُقدَّم للعالم نموذجاً يُحتذى به: اقتصاد صناعي عملاق يجمع بين الكفاءة والابتكار والإنتاج الرفيع، يقود أوروبا ويهيمن على سلاسل التوريد العالمية. اليوم، يُصارع ذلك الاقتصاد نفسه وضعاً بالغ القسوة؛ مصانع تُغلق أبوابها، وشركات تُحزم أمتعتها مغادرةً، واستثمارات خاصة تتراجع إلى مستويات لم تبلغها حتى في أحلك أيام جائحة كوفيد-19. والأشد إيلاماً أن جيرانها الأوروبيين يعيشون واقعاً مختلفاً تماماً.

أرقام تُنذر بالكارثة

لا تحتاج الأزمة الألمانية إلى بلاغة خطابية لتوصيفها؛ الأرقام وحدها تكفي لرسم صورة قاتمة. فوفق بيانات اتحاد الصناعات الألمانية (BDI)، تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3% في عام 2023، ثم بنسبة 0.2% في عام 2024، في حين يتوقع الاتحاد تراجعاً إضافياً بنسبة 0.1% في 2025، لتدخل ألمانيا بذلك أطول فترة ركود اقتصادي تشهدها منذ إعادة توحيدها عام 1990. 

على الصعيد الاستثماري، تكشف البيانات عن مشهد أكثر إثارة للقلق. فقد هبطت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى ألمانيا من أكثر من 150 مليار يورو في عام 2021 إلى نحو 43 مليار يورو فحسب في عام 2024، في حين ارتفع مجموع الاستثمارات الألمانية في الخارج إلى 1700 مليار يورو بحلول منتصف العام ذاته. 

أما الحجم الحقيقي للأزمة الصناعية فيتجلى في أرقام أشد قتامة. فمؤشر الإنتاج في قطاع التصنيع جاء في الربع الأول من 2025 أدنى بمقدار الربع من مستوى الاتجاه السائد بين عامي 2013 و2018، وخسر الاقتصاد الألماني قرابة 200 ألف شركة في عام 2024 وحده — بزيادة 16% عن العام السابق، وهو أعلى معدل منذ عام 2011. 

هجرة الشركات: خروج جماعي من القلب الصناعي

ليست الأزمة مجرد أرقام باردة في تقارير فنية، بل هي واقع ملموس تعيشه شركات حقيقية يومياً. فشركة "ماير بورغر" لألواح الطاقة الشمسية أغلقت مصنعها في فرايبرغ الذي كان يوظف نحو 500 عامل وانتقلت بإنتاجها إلى الولايات المتحدة حيث الدعم الحكومي أكثر سخاءً وأسعار الطاقة أرحم، فيما قررت "فاكر كيمي" إعادة توجيه استثماراتها نحو أمريكا بعد أن جعلت أسعار الطاقة المرتفعة في ألمانيا جدوى مصانعها موضع تساؤل جدي. 

وفي استطلاع غرف التجارة والصناعة الألمانية  لعام 2025، بلغت نسبة الشركات التي تستثمر في الخارج بدافع تخفيض التكاليف 35%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2008.

بل إن دراسة EY كشفت أن 45% من الشركات الصناعية تخطط للانتقال إلى الخارج، في حين لا تعتمد على ألمانيا موقعاً رئيسياً سوى 13% منها.

حتى كبار عمالقة الصناعة لم يسلموا. من 5.6 مليون مركبة أنتجتها ألمانيا عام 2017، هبط الرقم إلى أقل من 4 ملايين مركبة في 2025، فيما تشير توقعات 2026 إلى مواصلة الانزلاق نحو 3.4 مليون.

وأعلنت شركات ألمانية كبرى عن أكثر من 60 ألف عملية تسريح للعمال العام الماضي وحده، فيما وصف رئيس اتحاد الصناعات الألمانية بيتر ليبينغر المشهد بقوله: "لا أتذكر مزاجاً بهذا السوء في الشركات الصناعية." 

خطأ الطاقة المزدوج: نووي ثم روسي

أولاً: إغلاق المفاعلات النووية

تعود جذور الأزمة إلى قرار سياسي اتُخذ في أعقاب كارثة فوكوشيما اليابانية عام 2011، حين أعلنت المستشارة أنجيلا ميركل التخلي الكامل عن الطاقة النووية. وقد أغلقت ألمانيا آخر مفاعلاتها الثلاثة في أبريل 2023، مختتمةً مسيرة طويلة من الانسحاب التدريجي.

ما لم يكن مُحتسَباً بالكامل هو الثمن الباهظ لهذا القرار. فقد أفضى إغلاق المفاعلات إلى الاستعاضة عن الطاقة النووية المنخفضة الكلفة بالفحم والغاز، مما رفع أسعار الكهرباء بصورة حادة وكلّف المجتمع ما يُقدَّر بـ12 مليار دولار سنوياً في التكاليف الصحية والبيئية.

وتُثبت النماذج الأكاديمية أن مجرد تمديد عمر المفاعلات الثلاثة حتى أبريل 2023 أسهم في خفض أسعار الكهرباء بنحو 9 يورو لكل ميغاواط ساعة وأنقذ ما يقارب 3.3 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. 

ثانياً: قطع الغاز الروسي

كانت ألمانيا تعتمد على روسيا لتوفير نحو 45% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وهو رهان استراتيجي ثبت خطؤه بصورة صاعقة حين اندلع الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

فقد كان الوقود الروسي الرخيص ركيزةً أساسية لتنافسية الصناعة الألمانية عقوداً متتالية، وحين انتُزعت هذه الركيزة فجأة، تراجع إنتاج الصناعات كثيفة الطاقة بما لا يقل عن الخُمس، فيما هبط الإنتاج الصناعي الأوسع بنسبة 16% عن ذروته في الربع الثاني من عام 2018. 

الأثر كان مزدوجاً: ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة — إذ لامست أسعار الكهرباء في بعض أيام عام 2024 سقف 936 يورو لكل ميغاواط ساعة — فضلاً عن اضطراب جيوسياسي أربك بيئة الأعمال وزاد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.

ألمانيا في مرآة جيرانها: مقارنة أوروبية

لا يتضح حجم الأزمة الألمانية على حقيقته إلا حين تُقاس بالمسطرة ذاتها مع دول الجوار. فبينما يُحصي الاقتصاد الألماني خسائره المتراكمة، تنمو إسبانيا وبولندا بوتيرة لافتة، وتحتفظ فرنسا وإيطاليا بتوازن نسبي رغم تحدياتهما.

الدولة

نمو الناتج 2024

توقعات 2025

حصة الصناعة

مؤشر الثقة

🇩🇪 ألمانيا

-0.2%

0.3%

19.9%

92.9 (الأدنى)

🇫🇷 فرنسا

1.1%

0.8%

10.7%

96.2

🇮🇹 إيطاليا

0.7%

0.7%

16.6%

97.4

🇪🇸 إسبانيا

3.2%

2.9%

11.9%

103.7 (الأعلى)

🇵🇱 بولندا

2.9%

3.5%+

18.1%

بطالة 3.2%

المصادر: يوروستات، المفوضية الأوروبية، صندوق النقد الدولي، OECD

إسبانيا: الجار الذي يتقدم بثقة

في المقابل المباشر لألمانيا، تُسجّل إسبانيا واحدة من أبرز قصص النجاح الأوروبية. فقد نما ناتجها المحلي بنسبة 3.5% في عام 2024، مدفوعاً بقوة الاستهلاك الخاص وانتعاش السياحة واستثمارات صندوق التعافي الأوروبي. (OECD) وتُوقع منظمة OECD نمواً بنسبة 2.6% لإسبانيا في 2025، مقارنة بـ0.4% لألمانيا و0.8% لفرنسا و0.7% لإيطاليا. 

فضلاً عن ذلك، استقبلت إسبانيا نحو 94 مليون سائح في 2024 بزيادة 10% عن العام السابق، وأفادت 45% من الشركات المستفيدة من أموال التعافي الأوروبي بأنها لم تكن لتُقدم على استثماراتها دون هذا الدعم.

والأهم أن حصة الخدمات عالية القيمة المضافة في الناتج الإسباني باتت أعلى بثلاث نقاط مئوية مما كانت عليه قبل الجائحة، وبنقطة كاملة أكثر مما حققه باقي الاتحاد الأوروبي. 

بولندا: نجم الشرق الصاعد

منذ انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، توسّع اقتصادها عشرة أضعاف، في حين حقق الاقتصاد الألماني خلال الحقبة ذاتها مكاسب متواضعة. 

وفي عام 2024، نما الاقتصاد البولندي بنسبة 2.9%، مدفوعاً بالاستهلاك المحلي المتين والاستثمار الخاص المتنامي، في حين كانت ألمانيا تسجّل انكماشها الثالث على التوالي. 

وقد أصبحت بولندا اقتصاداً بتريليون دولار في سبتمبر 2025، وتتطلع إلى تجاوز عدة اقتصادات أوروبية كبرى في الناتج المحلي للفرد بحلول عام 2030. 

وقد نجحت في تنويع محركات نموها وتخفيف اعتمادها على المسار الألماني، حتى بات المحللون يصفون علاقتها بألمانيا: "إذا أصيبت ألمانيا بالإنفلونزا، فإن بولندا اليوم لا تعاني أكثر من رشح خفيف."

فرنسا وإيطاليا: تحديات مختلفة

تقف فرنسا في موقع وسط: حصة التصنيع من ناتجها المحلي لا تتجاوز 10.7% مقابل 19.9% في ألمانيا، (Statistisches Bundeمما جعلها أقل عرضة لصدمة الطاقة، وإن ظلت تعاني من ضعف تنافسيتها الصناعية وعجز مالي متصاعد. أما إيطاليا فقد سجّل ناتجها المحلي نمواً بنسبة 0.8% في 2025 مقارنة بالعام السابق، فيما يبلغ مؤشر ثقتها الاقتصادية 97.4، متقدماً بفارق واضح على نظيره الألماني البالغ 92.9. 

لماذا تختلف مسارات النمو؟

يكشف التحليل المقارن عن عامل فارق جوهري: الدول التي اعتمدت على نماذج اقتصادية أكثر تنوعاً أو أقل اعتماداً على الطاقة الرخيصة تفادت الصدمة الكبرى. إسبانيا وبولندا أقل اعتماداً على الصناعة الثقيلة كثيفة الطاقة، وأكثر انفتاحاً على التحول الخدمي والرقمي. في المقابل، بنت ألمانيا قوتها على ثلاثية: طاقة روسية رخيصة، وصادرات ضخمة لأسواق أبوابها أمست أضيق، وصناعة تقليدية لم تُجارع التحول الرقمي بالسرعة الكافية. حين انهار ضلع الطاقة من هذه الثلاثية، اهتزت الركائز الأخرى معه.



خطر التفريغ الصناعي على الاتحاد الأوروبي

المشهد لا يقتصر على ألمانيا وحدها، فهذا الاقتصاد يمثل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي. يُحذر رئيس اتحاد الصناعات الألمانية سيغفريد روسفورم من أن ألمانيا تسير نحو سيناريو من التدهور الصناعي التدريجي، تفقد فيه قطاعاتها كثيفة الطاقة وتتخلف عن ركب التحول إلى السيارات الكهربائية وتتأخر في تطوير تقنيات المستقبل. 

وقد كشف مسح البنك الأوروبي للاستثمار أن موجة ارتفاع أسعار الطاقة باتت العائق الأول أمام قرارات الاستثمار طويل الأمد في منطقة اليورو، بعد أن كانت تحتل المرتبة الخامسة قبل عام 2019. 

وقد خلص تقرير دراغي الشهير إلى أن أوروبا فقدت ميزتها التنافسية وباتت تتأخر بوتيرة متسارعة عن كل من الولايات المتحدة والصين.

وتذهب بعض التحليلات أبعد من ذلك، معتبرةً أن "الاتحاد الذي يعد بالرخاء بينما يُوصل إلى التراجع الاقتصادي لا يمكنه الإبقاء على ولاء شعوبه"، وأن إضعاف ألمانيا يعني إضعاف المشروع الأوروبي برمته بصورة لا رجعة فيها. 

هل ثمة طريق للخروج؟

في مارس 2025، أقرّ البرلمان الألماني إصلاحاً مالياً تاريخياً يُعفي الإنفاق الدفاعي الذي يتجاوز 1% من الناتج المحلي من القيود المالية الصارمة، ويرصد صندوقاً خاصاً بقيمة 500 مليار يورو للبنية التحتية والتحول المناخي. 

كما أعلن المستشار فريدريك ميرتز في مارس 2026 تحولاً في الخطاب الرسمي، حين أقر صراحةً بأن الخروج الكامل من الوقود الأحفوري سيؤدي إلى تدمير صناعة ألمانيا.

غير أن المشكلة أعمق من أن تحلها الميزانيات وحدها. فاتحاد الصناعات الألمانية يُقدر أن البلاد تحتاج إلى استثمارات إضافية تبلغ 1.4 تريليون يورو بحلول عام 2030 للحفاظ على تنافسيتها، كما أن نحو 20% من قيمة الإنتاج الصناعي الألماني في خطر.

وفي مواجهة شح العمالة الماهرة — إذ ترى 82% من الشركات أن نقص الكفاءات يُعيقها، مقارنة بـ40% فحسب قبل عقد وتضخم البيروقراطية وبطء الرقمنة، يبدو التحدي أكبر من أن تستوعبه خطط إنفاق عابرة.

خاتمة: ثمن الأخطاء الاستراتيجية

تُعلمنا التجربة الألمانية درساً صارماً في الاقتصاد السياسي: إن قرارات الطاقة ليست شأناً بيئياً أو أيديولوجياً خالصاً، بل هي قضية أمن قومي وصناعي من الدرجة الأولى. وحين يُغلق اقتصاد عريق مفاعلاته النووية دون بديل ناضج، ثم ينفصل فجأة عن ممون طاقة استراتيجي دون شراكات بديلة راسخة، فإنه يدفع ثمن هذه القرارات من رصيد تنافسيته الصناعية.

والمقارنة الأوروبية تُعمّق هذا الدرس: إسبانيا التي كانت تُعدّ حتى وقت قريب الحلقة الأضعف في اليورو تتقدم اليوم بعشرة أضعاف وتيرة ألمانيا. وبولندا التي رأت في ألمانيا مرجعاً لها لعقود تتطلع الآن إلى تجاوزها. هذا التحوّل في موازين القوى الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي ليس مجرد إحصاءات، بل هو إعادة رسم لخريطة النفوذ والتأثير الأوروبي في العقود القادمة.

ألمانيا لا تمر بأزمة عابرة، بل بتحوّل في النظام الاقتصادي بأسره — تحوّل يعني أن ألمانيا ما قبل 2020 التي كانت تقوم على الطاقة الرخيصة وسلاسل التوريد المعولمة والاستقرار الجيوسياسي قد ولّت ولا عودة إليها بسهولة. (LUXUO) السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت ألمانيا ستتعافى، بل كم سيكلف هذا التعافي — ومن سيدفع الثمن: ألمانيا وحدها، أم الاتحاد الأوروبي برمته؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8786
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.