قراءة في "سرادق رجل حي" لمصطفى مختار
يفتتح الكاتب مصطفى مختار روايته "سرادق رجل حي" بلقطة عنيفة محمَّلة بدلالات كثيفة: رجل في الستين من عمره يقف في ركن خافت من قاعة عزاء، يتلقى التعازي في نفسه بصمت. الكل حوله يبكونه، يعددون مآثره، ويتذكرون مواقفه، بينما هو حاضر حي يرزق، يرى ويسمع، يأكل ويشرب، ويتنفس. هذه المفارقة العبثية ليست مجرد مدخل سردي، بل تمثل جوهر التجربة التي تحكيها الرواية؛ إذ تطرح علينا سؤالاً وجودياً عميقاً: كيف يمكن للمرء أن يكون على قيد الحياة وهو غائب في حياة أقرب الناس إليه؟
تبدأ الرواية بولادة تبدو استثنائية؛ مولود يأتي بعد عشرين عاماً، في أجواء احتفالية يغمرها الفرح والتفاؤل والذبائح والولائم. غير أن هذه البداية المشرقة تخفي في طياتها بذرة المأساة الكبرى، إذ يوحي النص منذ اللحظة الأولى بأن الحياة التي تمنح كل شيء بجود وسخاء قد تسلبه أيضاً بقسوة.

تتجلى هذه المفارقة مع فقدان الأم، في لحظة يصوغها الكاتب بلغة تقطر ألماً، حيث يستخدم فعل "قررت" لوصف رحيلها، وهو خيار لغوي يمنح الفقد بعداً نفسياً ذاتياً وشعوراً داخلياً عميقاً بأن كل من أحبهم اختاروا المغادرة ولم يكن الرحيل قدراً محتوماً.
ويتجسد امتداد هذا الإحساس بوضوح في صورة الأب التي تزرع بذرة الفكرة الكبرى، حيث يتحول الأب خلال أربعين يوماً فقط من دفن زوجته - وليس أربعين سنة - إلى رجل عجوز. هنا يزيح النص الستار ليكشف أن الحزن لا يُقاس بمقاييس السنوات أو الساعات، بل بما يخلفه الفقد من جراح في الروح.
ثم يشق البطل طريقه المهني بنجاح، يؤهله أن يصل إلى مواقع متقدمة في قطاع الفندقة، بيد أن هذا النجاح لا يشبه تحقيق الذات بقدر ما يبدو مساحة للأداء، وكأنه خشبة مسرح يؤدي دوره فيها، دون أن يحيا حياة حقيقية. فهو يصف الفندقة بأنها "ملعبه"، وهي كلمة كاشفة لطبيعة علاقته بالحياة العملية؛ وهنا تطرح الرواية تمييزاً دقيقاً ومؤلماً في آن، مفاده أن الإنسان يمكن أن يكون ناجحاً… دون أن يكون حياً.
وتبلغ الأزمة ذروتها مع طلب الزوجة الطلاق، في مشهد يصفه بلغة عنيفة ومشحونة لا تكمن فيها قسوة اللحظة في الحدث ذاته، بل في دلالته؛ فالمفاجأة التي تأتي من "شريكة العمر ورفيقة الدرب" هي بحد ذاتها الخيانة العظمى، ما يجعل الانكسار أعمق من مجرد انفصال، إذ يتحول إلى انهيار للمعنى الذي قامت عليه العلاقة. هنا لا يصبح الفقد مجرد غياب، بل يصير سقوطاً داخلياً يصعب ترميمه.
بعد ذلك، يدخل البطل مرحلة تتراكم فيها الخسارات: طلاق، تقاعد، وأبناء يغادرون البيت. وفي هذا السياق، تصوغ الرواية واحدة من أكثر صورها إيلاماً حين يتحول القرب بين الزوجين إلى اغتراب، فهما غريبان يجمعهما بيت واحد. إنه تعريف الجحيم الصامت، جحيم ليس له لظىً ولا نار، بل فراغ بارد من صمت وجليد وخذلان.
وتتجلى المفارقة الأكثر قسوة في علاقة البطل بأبنائه الذين رعاهم ورباهم وعلمهم، والذين كانوا يوماً ما أغلى ما يملك، حيث يغيبون عنه في لحظة مرضه، فيضطر إلى تبرير غيابهم بسفرهم وهجرتهم جميعاً. وعندما يأتي الاتصال أخيراً، لا يكون سوى "مكالمة أداء واجب، مكالمة تحمل ختم النسر"، تحمل طابعاً روتينياً خالياً من الحميمية، وكأن العلاقة تحولت من رابطة الدم إلى إجراء شكلي. في هذه اللحظة تحديداً، يموت الأب نفسياً قبل أن يموت جسدياً.
في مواجهة هذا الفراغ، يقرر البطل إقامة سرادق عزائه وهو حي، في تجربة يمكن قراءتها بوصفها اختباراً وجودياً قاسياً: ماذا لو رأى الإنسان أثر غيابه وهو حاضر؟ غير أن ما يكتشفه يفوق قسوته المتوقعة؛ فالزوجة السابقة والأبناء يتعرفون على ساعة يده، وحذائه، ونظارته، وحتى ربطة عنقه، لكنهم لا يتعرفون عليه. إنها لحظة إدراك صادمة، يتحول فيها الإنسان إلى مجموعة "تفصيلات"، بينما يغيب جوهره. وهنا يبرز السؤال المؤلم الذي يطرحه البطل: "كيف يدققون فيما يخصني من تفصيلات؟ هل شيدت أنا تلالاً من الوهم وتقوقعت داخلها؟" هذه هي المأساة الحقيقية: لقد رأوا الأشياء وتعرفوا عليها ولم يروا صاحبها.
وفي مشهد الغيبوبة، يمر شريط حياته أمامه، يبدو وكأنه يراجع وجوده بالكامل، مستعيداً الأمكنة والوجوه والذكريات. غير أن المفارقة الكبرى تتجلى في أن من ينقذه ليس أحد أبنائه، بل حارس العقار، رجل لا تربطه به صلة دم. وهنا تبلغ السخرية الوجودية ذروتها، حيث يختل ميزان العلاقات، فيحضر الغريب ويغيب القريب.
تنتهي الرواية بسؤال مفتوح يطرحه البطل، لا يوجهه إلى شخص في الرواية، لكنه يتجاوز حدود النص ليُصيب القارئ مباشرة: ماذا لو فكر الإنسان يوماً في حضور عزائه؟ لا يقدم النص إجابة، بل يتركنا أمام مرآة حادة تكشف هشاشة علاقاتنا، وتأجيلنا المستمر للتعبير عن حضورنا الإنساني.
هكذا تتحول الرواية من حكاية فردية أو سيرة ذاتية إلى تأمل عميق في معنى الحياة، وفي الفرق بين أن نكون موجودين… وأن نكون مرئيين، أن نكون ناجحين… وأن نكون أحياء.
إنها دعوة صامتة، لكنها حاسمة: أن نعيش علاقاتنا بوعي، وأن نعرف أن النجاح المهني لا يدفع فواتير الوحدة، وأن نمنح حضورنا لمن نحب قبل أن نصبح مجرد تفصيلات تُلاحظ… دون أن يُرى أصحابها، وأن الإنسان قد يموت اجتماعياً قبل أن يموت بيولوجياً. فهل ننتبه؟#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك