من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

تاريخ الفلسفة الغربية

القاهرة : " نقاش "
تاريخ الفلسفة الغربية


كان برتراند راسل (ت1970) يمّر بأزمة مالية بعد خلاف مع غريب الأطوار ألبرت بارنز (ت1951) الذي كان قد تعاقد مع رسل لتدريس الفلسفة، ورأى بارنز فسخ العقد بسبب «سطحية» محاضرات رسل عن تاريخ الفلسفة الغربية، فاضطر رسل إلى إكمال مادة المحاضرات ونشرها في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية وعلاقتها بالظروف السياسية والاجتماعية منذ أقدم العصور حتى العصر الحاضر» الذي نشر أولًا عام 1945 (ترجم للعربية بعنوان: «تاريخ الفلسفة الغربية» عام ١٩٦٧) ولم يكن يظن أن هذا الكتاب سيكون أشهر كتبه، وأكبر مصدر لدخله لسنوات كثيرة كما يحكي في مذكراته.

في كتابه هذا عقد فصلًا عن سقراط (أُعدم عام 399 ق.م.)، وأشار إلى الخلاف في بيان حاله فقد صوّره أفلاطون في صورة البطل الفلسفي، أما زينوفون فقد صوّره بصورة المعلّم المعتني بالسلوك والقيم والفضيلة، وبالغ في الدفاع عنه حتى تشكّك في ذلك أقوام، وقال لو كان سقراط كذلك، لما عمد الأثينيين إلى إعدامه، ورأى البعض أن تصوير زينوفون أدقّ، لماذا؟ قالوا لأنه «لم يكن له من الذكاء ما يُعينه على اختلاق ما ليس بصحيح!»، وكون الاختلاق يحتاج صاحبه إلى نوع ذكاء ليجعل قوله مقبولًا سائغًا عند السامع = حق معروف، ولكن يعقّب رسل أن هذه الحجة النافية للغلط بمبرر ضعف الذهن لا تستقيم، ثم يصوغ عبارة بديعة:

 «إنّ نقلَ الرجلِ الغبيّ لما يقوله الرجلُ الذكيّ لا يكون دقيقًا أبدًا، لأن الغبيّ يترجم -بلا وعيٍ منه- ما يسمعه إلى شيءٍ يستطيع أن يفهمه!». 

ويضيف متحدثًا عن نفسه: «لأن ينقل كلامي ألدّ أعدائي من بين الفلاسفة أحبُّ إليّ من أن ينقله صديقٌ لا علم له بالفلسفة!»، وهذا عين العقل والصواب.

وقد اشتكى العلماء منذ القديم من سوء فهم العامة لكلامهم، وتحريفهم له عن نقله والإخبار به، لاتساع جهلهم، وضيق عقولهم عن إدراكه حقيقته أو بعضه، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما مرةً: «يا أيها الناس، اسمعوا منّي ما أقول لكم، وأَسْمِعُونِي ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس، قال ابن عباس!»، فأراد أن يعيد الناقل نص كلامه قبل أن ينقله ليتأكد من فهمه وحفظه له على الصواب، ولذلك لما أراد الفاروق أن يخطب في مجمع الحج عن بعض المسائل قال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها»، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن يتحدث لما أحسّ من قرب أجله، وكان مما قاله: «إني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقوله فمن عَقَلَهَا ووعاها فَلْيُحَدِّثْ بها، ومن خَشِيَ أن لا يَعْقِلَهَا فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليَّ!». 

وقد كثرت في زماننا الوسائط بين الإنسان والمعارف، وفاضت الملخصات والمختصرات والتقريبات والتسهيلات والخلاصات والموجزات ونحو ذلك من أصناف المحتوى في سائر العلوم والفنون، وهذه «الاختصارات» المصاغة بلسان أصحابها تدخلها الآفات الكثيرة، ومن أخصّها آفة عدم التناسب بين دقة المعنى الأصلي وكثافة عقل الملخِّص أو ضعف ذهنه كما شرح رسل، ولو كان الذكاء وحسن الفهم والبصر بالمعاني الوعرة يحصّل بالتلقين والنقل المجرد عن الأذكياء، ويستجلب بالاطلاع على كتب النبهاء؛ لما بَقِي في الأرض بليد الذهن ولا كليل النظر!

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8826
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.