هرمز يُعيد رسم خرائط التجارة: الشاحنة بديلاً للسفينة في ظل الأزمة
تكاليف قياسية تُعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍّ مائي بين خليجَين؛ بات اليوم فتيلَ أزمة لوجستية تعيد رسم خرائط التجارة الدولية من جديد. مع تصاعد حدة التوترات في المنطقة، باتت كبرى شركات الشحن العالمية تبحث عن بدائل برية طارئة لإبقاء عجلة التجارة دائرة، في مشهد استثنائي لم تشهده أسواق الشحن منذ عقود.
قفزة أسعار تتجاوز الجائحة
تكشف أرقام مايو 2026 عن صدمة تسعيرية حادة؛ إذ تضاعفت تكلفة الحاوية الواحدة على خط شنغهاي-الخليج أكثر من أربعة أضعاف خلال أسابيع قليلة، مرتفعةً من نحو 980 دولاراً إلى ما يتجاوز 4100 دولار. وتُشير التقارير إلى أن هذه الأسعار تتخطى مستويات جائحة كورونا التي طالما ضُرب بها المثل حدًّا قياسياً للأسعار. وفي سياق أوسع، رصدت صحيفة "الاقتصادية" ارتفاعات في أسعار حاويات البضائع المتجهة إلى دول الخليج تتراوح بين 20 و30 بالمئة، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في بوالص التأمين على الشحنات، في تطورات تنذر بانعكاسات مباشرة على أسعار السلع للمستهلك النهائي.
الشاحنة تحلّ محل السفينة
في مواجهة هذا الاختناق، لجأت شركات شحن عالمية كبرى مثل "مايرسك" و"MSC" إلى نقل البضائع عبر الشاحنات داخل شبه الجزيرة العربية. وعلى الرغم من أن هذا الخيار لا يعوّض الطاقة الاستيعابية الكاملة للشحن البحري، إلا أنه يعمل كـ"صمام امتصاص للصدمات" يحافظ على تدفق التجارة ويحدّ من وطأة التضخم العالمي.
وأعلنت شركة MSC عن خدمة جديدة تربط أوروبا بموانئ الشرق الأوسط المعزولة، مستعينةً بالنقل البري عبر المملكة العربية السعودية وسفن أصغر حجماً في مياه الخليج بدلاً من عبور هرمز. وتبلغ المسافة البرية بين جدة والدمام عبر الرياض نحو 1300 كيلومتر، فيما تصل سفنها المُغذِّية إلى موانئ البحرين والعراق والكويت.
وفي الاتجاه ذاته، انضمت شركة "هاباغ-لويد" إلى المشهد، إذ باتت تُشغّل مسارات نقل برية تربط موانئ السعودية وعُمان بدول الخليج، بما فيها الكويت والبحرين وقطر والإمارات.
تشعّب المسارات وتنوّع البدائل
تتعدد المسارات البديلة المستحدثة؛ يمتد أحدها من جدة عبر الأردن فالرياض وصولاً إلى الدمام، فيما ينطلق مسار آخر من ميناء صحار العُماني نحو الأسواق الخليجية. وتعكس هذه المسارات قدرة شركات الشحن على التكيف السريع مع الأزمات، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن حجم التعقيد والكلفة التي تفرضها أي اضطرابات في هرمز، إذ إن كل كيلومتر إضافي وكل مرحلة نقل برية تعني وقتاً أطول وتكاليف أعلى.
ما وراء الأزمة: إعادة هيكلة دائمة؟
تكشف الأزمة بوضوح عن هشاشة النظام اللوجستي العالمي، في ظل اعتماد نحو 20 بالمئة من إمدادات الطاقة على المرور عبر هرمز. وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإنه حتى لو فُتح المضيق مجدداً، فإن المسؤولين التنفيذيين والمحللين يرون أن القطاع لن يعود للاعتماد عليه كما كان، مؤكدين أن "لا عودة إلى الوضع الطبيعي".
أزمة هرمز، إذاً، ليست عابرة؛ إنها مرآة تكشف كيف يمكن لممر مائي لا يتجاوز عرضه 39 كيلومتراً أن يُربك تجارة بمليارات الدولارات، ويُعيد تشكيل خرائط الشحن العالمي من أقصاه إلى أقصاه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك