ابن سينا والبيروني والتنوير الغائب
يقدم هذا الكتاب الصادر عن جامعة أكسفورد 2023 في 312 صفحة، أعمال ابن سينا والبيروني بوصفهما عالمَين فذَّين رائدَين، وهو ليس مجرد سيرة ذاتية أو تاريخاً علميّاً، إنما رحلة ساحرة عبر عالم من المعرفة والثقافة المفقودة التي ما زالت تقدِّم دروساً قَيِّمَة لنا حتى اليوم.
وعلى الرغم من أن العلماء حلَّلوا منذ فترة طويلة أعمال ابن سينا والبيروني، فإن المؤلف يُركز أيضاً على حياتهما والعصر الذي عاشا فيه. وبوضع عملهما في سياقه وجعل عصرهما واضحاً للقارئ، يمنح إس فريدريك ستار إنجازات ابن سينا والبيروني بُعداً إنسانياً كلياً لا يُنسى.
ويأتي هذا الكتاب كمحاولة ناجحة في هذا الاتجاه. قرأت الكتاب مرّة ثم عدت إليه مرارًا، ورغم بعض السقطات الطفيفة في المحتوى، فإنه يظل من أقوى الدراسات التي قرأتها في سيرة العالمين البيروني وابن سينا. الكاتب يملك قدرة واضحة على استيعاب مسارات حياة هذين العملاقين العلميّين ومقارنتها بمنهج متماسك يجمع بين التحليل الأكاديمي وروح السرد الروائي.
يؤكد المؤلف ذلك في حرصه على انتماء كلا المفكرين إلى وسط آسيا وإلى ما يعرف بالثقافة (الفارسوية) Persianate وهو وصف يطلق على الثقافات المتأثرة بالفارسية لغة وحضارة. الكتاب يقدم ابن سينا والبيروني على أنهما من وسط آسيا ويشير إلى كتابتهما بالعربية وأن دينهما الإسلام لكن ما يبرزه ليس أنهما ينتميان إلى سياق عربي إسلامي وإنما إلى إقليم آسيوي له ثقافاته المحلية وموروثاته الدينية الخاصة.

يمتاز النص بأسلوب محكم وجذاب؛ فالفصول القصيرة والمتقنة تُسهل على القارئ تتبّع محطات حياة كل عالم من نشأته وتعليمه إلى أهم إنجازاته العلمية والفكرية. لا يكتفي المؤلف بعرض الوقائع البيوغرافية فحسب، بل يخصص فصولًا خاصة لتحليل أشهر مؤلفات البيروني وابن سينا، مقدمًا تفاصيل واستنتاجات تجعل من هذه الفقرات مدخلًا ثمينًا لقراءة الأعمال الأصلية. التحليلات تراعي السياق الحضاري والمنهجي لكل مؤلف، مع إبراز نقاط التلاقي والاختلاف في منهجية البحث، ومستويات التأثير العلمي والفلسفي التي حققها كل منهما.
من نقاط القوة أيضًا توفر مراجع وملاحظات توضيحية تساعد القارئ الراغب في التوسع، ما يجعل الكتاب ملائمًا للقراء العامّين والمهتمّين بالأبحاث التاريخية على حدٍ سواء. أما السقطات القليلة فتنحصر في بعض التعميمات التي كان يمكن تدقيقها أو دعمها بمراجع إضافية، لكنها لا تقلل من قيمة العمل ككل.
عبقريا زمانهما: ابن سينا والبيروني والتنوير المفقود

يفتح كتاب فريدريك ستار نافذةً على عالمٍ فكري غني ومتنوع لم يزل له ذلك الصدى الملهم. إنه أكثر من مجرد كتاب عن التاريخ العلمي، فهو دعوة لاستعادة الحوار الثقافي والتعلم المتبادل بين الشرق والغرب. فمنذ ألف عام، حقَّقَ المفكران العملاقان ابن سينا والبيروني إنجازاتٍ مذهلة في مجالات متنوعة، مثل الطب وعلم الفلك والرياضيات والفلسفة والجغرافيا والفيزياء. فقد قاسَ البيروني الأرض بشكلٍ أكثر دقة من أي شخص آخر حتى القرن السادس عشر، وفكَّرَ في الكون الذي مركزه الشمس، وافترض وجود أمريكا الشمالية والجنوبية بوصفهما قارتَين مأهولتَين.
وأثْرَت كتابات ابن سينا في الفلسفة والميتافيزيقا في عددٍ لا يحصى من المفكرين الأوروبيين، بمن فيهم القديس توما الأكويني، في حين أصبحت إحاطة ابن سينا البالغة بالمعرفةَ الطبية المعيار المعمول به على مدى ال600 عام التالية في أوروبا والشرق الأوسط والهند. وعلَّقَ كلاهما بشكلٍ مكثف أيضاً على أعمال اليونانيين القدماء والمفكرين المسلمين الأوائل الذين تطلعوا إلى جمع أعمالهم والارتقاء بها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك