من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة " كل شيء على ما يُرام ! " للأديب أحمد بيضون

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية  لقصة


عنوان يعلن عن حالة من الإتزان والطمأنينة لكن يكشف المتن عن ذات متآكلة نفسيَا ومهزومة وجوديًا، وهنا تكمن المفارقة المركزية، منذ السطور الأولي يدرك القارئ انه أمام شخصية لا تعيش أزمة عابرة ، بل تعيش حالة مستمرة من الإختناق الداخلي تحاول التخلص منها عبر السخرية، واللغة المتضخمة، والصور الكثيفة .


يعتمد النص على التدفق النفسي أكثر من الحبكة التقليدية ، فتتشابك الذكريات والهواجس والأحلام المجهضة داخل وعي شخصية تشعر بأنها مطرودة من العالم بآسره ، ليس هذا فحسب بل من ذاتها ، كل شيء مشوه العالم ، العلاقات ، حتى الأحلام.


تكشف القصة عن شخصية تعاني من الشعور بالعجز والدونية ، لكنها لا تواجهه ، بل تُعيد إنتاجه عبر نظرتها الساخرة ، فالزوجة تتحول في وعيه ل "بعبع " ، والأصدقاء يمارسون " بطولة ذكورية وهمية " ، والنساء يظهرن غالبًا بوصفهن مصدر تهكم او تهديد ؛ من هنا يبدو البطل وكانه يحاول تعويض هشاشته النفسية بإلقاء أسباب الإنكسار إلى الخارج .

كما تنفتح القصة أيضًا على أُفق فلسفي ذي نزعة عبثية ووجودية ، البطل لا يجد مكانًا ينتمي إليه ، العالم من حوله يبدو فاقدًا للمعنى " عمل بلا قيمة ، علاقات متآكلة ، أحلام هشة ، بل وأشجار مبتورة ، تلك التي تتحول إلى رمز مركزي يعكس خراب الداخل والخارج معًا ، كأن النص يربط بين انهيار الإنسان وانهيار الطبيعة ، كمل أن السخرية السوداء تسيطر على أغلب الفقرات ، حتى موت رئيس العمل لا يُستقبل بحزن ، بل احتمالًا ضائعًا للترقية ، في إشارة إلى عالم فقد حساسيته الأخلاقية ، وأصبح محكومًا بمنطق المنفعة .


الكاتب بنى مقابلة واضحة بين امرأتين : 

الزوجة في البداية تحمل شيئًا من الرقة " نعامة ربداء خجلى " .

لكن هذا الوصف لا يلبث ان ينهار تحت وطأة الحياة اليومية وضغوطها ، فتتحول في وعيه إلى " بعبع " . أى أن المشكلة لم تكن في الصورة الاولى ، بقدر ما كانت في الاحتكاك الواقعي وما كشفه من قهر وتآكل .

وفي المقابل تظهر المرأة الأخرى مشبعة بالحنين والرغبة ، فهى صورة لم يفسدها الواقع بعد .

لكن اللافت ان شخصية البطل لا تتوقف لتسأل : ماذا لو تحولت هذه الحسناء بدورها إلى نسخة أخرى من الزوجة بعد الزواج او الاحتكاك اليومي ؟ 

هذا يكشف أن البطل لا يرى النساء كأفراد مستقلين بقدر ما يراهم عبر حالته النفسية الخاصة .

الزوجة ليست شريرة بالضرورة ، بل ربما تكون مرآة لفشله ، والمرأة الأخرى ليست حبًا مكتملًا لانها لم تُختبر بعد .

البطل شخصية تهرب إلى الصورة الغير مكتملة ، لأنها مازالت قابلة للتخيل ، بينما يُحمل العلاقة الواقعية كل أعبائه الداخلية .

وهذا يمنح النص بُعدًا نفسيًا ذكيًا ، لأنها لا تقول صراحة أن الزوجة أصل الخراب ، بل تترك لنا احتمال ان المشكلة كامنة داخل وعى البطل ، وفي طريقته المثالية او المتوترة في النظر للعلاقات.


مما يميز النص انه لا يقدم أزمته الوجودية في فراغ فلسفي مجرد ، بل يمزجها بتفاصيل محلية شديدة الخصوصية " عربة الفول ، بيع الجرائد، المقهى الشعبي ، الصيد ، والقماط الفارغ " هذا المزج منح النص خصوصيته ، إذ بدا الإنسان المأذوم ابن بيئته ، لا نموذج تجريدي للاغتراب.


ورغم هذا الخراب ، تنتهي القصة بجملة " لكنني .. سأبقى " 

هى ليست خاتمة انتصار ، بل تشبث بالبقاء 


يحسب أيضًا للنص توظيف تقنية الفلاش باك عبر تيار الوعي ، فهو لا يستدعى باعتباره زمنًا انتهى بل مازال داخل البطل ، فتتداخل الأزمنة داخل التدفق الشعوري، فيدرك القارئ التقنية والحالة النفسية معًا ، إذ يبدو العقل عاجزًا عن الفصل بين الذكريات والهواجس ، فالتذكر جاء بآلية العقل المضطرب ، لا كاستعراض تقني مقصود .


اما اللغة فهى الأكثر حضورًا وجدلًا ، الكاتب يتعامل معها كأداته الخاصة وبصمته الأسلوبية ، لا كوسيلة لعرض فكرته .

فالصور الشعورية والاستعارات الكثيفة تمنح النص طاقة شعورية ، لكنها ترهق القارئ وتجعله منشغل بفكها ، المشكلة ليست في عمق اللغة ، بل في استمرار الكثافة بالمستوى نفسه ، دون لحظات هدوء يلتقط فيها القارئ انفاسه.

 أرى ان الكاتب متمسكًا بلغته باعتبارها هويته الخاصة وأداته التي تميزه ، وهو ما يمنح النص صوتًا واضحًا ، فعند قراءتي للنص وقبل ان يقع نظري على اسم الكاتب أدركت انه للأديب أحمد بيضون ، ورغم ذلك أحيانًا يقع تحت سطوة هذه اللغة ، إذ تتحول بعض الفقرات إلى تدفق بلاغي متواصل ، يطغي على الحدث والشعور.

كل شيء على ما يرام 

مزجت بين العمق النفسي والفلسفي

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8909
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.