من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أزمة الخصوبة العالمية.. شعوب تتقلّص وتحديات ديموغرافية تُعيد رسم خريطة المستقبل

القاهرة : خالد شحاتة
أزمة الخصوبة العالمية.. شعوب تتقلّص وتحديات ديموغرافية تُعيد رسم خريطة المستقبل



بيانات الأمم المتحدة تكشف: ثلث دول العالم دون معدل الإحلال السكاني، وأفريقيا الاستثناء الوحيد في مشهد قاتم

رصد موقع "فيجوال كابيتاليست" المتخصص في تحليل البيانات، مستنداً إلى أحدث مراجعة لتوقعات الأمم المتحدة للسكان لعام 2026، خريطةً ديموغرافية عالمية تنذر بتحولات عميقة في بنية المجتمعات البشرية خلال العقود المقبلة. إذ يتراجع معدل الخصوبة في عشرات الدول دون العتبة الحرجة التي يحددها العلماء لضمان استمرار النمو السكاني.

معدل الإحلال.. الخط الفاصل بين النمو والتراجع


يُعرَّف معدل الإحلال السكاني بأنه المستوى الذي يضمن للمجتمع تعويض أفراده المتوفين بمواليد جدد، وقد حدّده الديموغرافيون بـ2.1 مولود لكل امرأة. وكل دولة تنزلق دون هذا الرقم تجد نفسها أمام مسار لا هوادة فيه نحو شيخوخة المجتمع وتقلّص القوى العاملة وتآكل قدرتها الإنتاجية، ما لم تُعوَّض هذه الفجوة بهجرة منظّمة أو سياسات حوافز استثنائية.

الأشد معاناةً.. أرقام تثير القلق


تتصدر كوريا الجنوبية قائمة الدول الأكثر هشاشةً ديموغرافياً بمعدل خصوبة بالغ 0.7، وهو الأدنى بين الدول الكبرى على مستوى العالم، فيما تُسجّل ماكاو الرقم الأضعف عالمياً بـ0.7 أيضاً وفق البيانات ذاتها. أما تايوان فتُسجّل 0.9، في حين لا تتجاوز أوكرانيا حاجز 1.0 متأثرةً بتداعيات الحرب المستمرة على أراضيها. وتأتي الصين بمعدل 1.0 تاريخياً، إذ لا تزال تدفع ثمن سياسة الطفل الواحد التي طبّقتها بين عامَي 1980 و2015، في سابقة تُعدّ من أضخم التجارب الديموغرافية الهندسية في التاريخ الحديث.

وفي أوروبا، تتراجع معدلات الخصوبة بصورة شبه موحّدة؛ إذ تسجّل إسبانيا وإيطاليا 1.2، وألمانيا 1.5، وفرنسا 1.6، وتتراوح المعدلات الأوروبية المجمّعة حول 1.4 في المتوسط، وهو ما يُفسّر التوجه الأوروبي المتصاعد نحو استقبال المهاجرين كرافد ديموغرافي لا غنى عنه.


القوى الوسطى.. بين الاتزان والقلق


تقف الهند عند نقطة التوازن الدقيق بمعدل 1.9، قريبةً من معدل الإحلال دون بلوغه، وهو مؤشر يعكس التحول الاجتماعي السريع الذي تشهده المجتمعات الريفية الهندية نحو التحضّر. أما الولايات المتحدة فتسجّل 1.6، مستعيضةً عن الفجوة السكانية بمنظومة هجرة راسخة تُغذّي سوق عملها باستمرار. وتحتل إندونيسيا موقعاً عند حدود معدل الإحلال بدقة، إذ تسجّل 2.1، فيما تُبقي باكستان على زخم توسّعي واضح بمعدل 3.5.


أفريقيا.. القارة التي تُعيد توازن العالم


في المقابل، تبقى أفريقيا الاستثناء الصارخ في هذه الخريطة. فـالنيجر تسجّل أعلى معدلات الخصوبة عالمياً بـ5.8، تليها تشاد بـ5.9، ثم جمهورية الكونغو الديموقراطية بـ5.9، ونيجيريا بـ4.3، وإثيوبيا بـ3.8. ويبلغ المتوسط المُرجَّح بالسكان للقارة الأفريقية 4.0، ما يعني أن أفريقيا ستستأثر بحصة متنامية من سكان العالم في النصف الثاني من هذا القرن، مع ما يترتب على ذلك من فرص اقتصادية وضغوط على البنى التحتية في آن واحد.

دلالات الخريطة.. ما وراء الأرقام


لا تُقرأ هذه البيانات بمعزل عن سياقها الاقتصادي والاجتماعي. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتمكين المرأة وانخراطها في سوق العمل، وتراجع المكانة الاجتماعية للإنجاب في المجتمعات الحضرية، فضلاً عن ضعف منظومات دعم الأمومة والطفولة، كلها عوامل تتضافر في دفع المعدلات نحو الانخفاض في الدول المتقدمة. في حين تعكس المعدلات المرتفعة في دول الجنوب واقعاً مغايراً تماماً، يرتبط بضعف منظومة التأمين الاجتماعي، والاعتماد على الأبناء في سنوات الشيخوخة، وتدني مستويات التعليم في بعض المناطق.

ويُحذّر خبراء الديموغرافيا من أن استمرار هذه الفجوة قد يُفضي إلى عالم منقسم بين قطبين: شمال يشيخ ويتراجع، وجنوب يتمدد ويُعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية على المدى البعيد.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8916
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.