من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الإفلاس المائي.. المنطقة العربية على حافة العطش الدائم

القاهرة : خالد شحاتة
الإفلاس المائي.. المنطقة العربية على حافة العطش الدائم


 استناداً إلى تقرير معهد UNU-INWEH الأممي

في يناير 2026، أعلن معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة دخول العالم عصر "الإفلاس المائي"؛ مرحلة يتجاوز فيها استنزاف الموارد المائية قدرة الطبيعة على تجديدها بصورة دائمة ولا رجعة فيها. وفي المنطقة العربية، تبلغ هذه الأزمة ذروتها بصورة لا نظير لها في سائر أقاليم الكرة الأرضية.

ما وراء الشح

لا يُعيد هذا المصطلح صياغة الأزمة المائية فحسب، بل يُعلن نهاية المرحلة التي كانت فيها الإدارة الرشيدة وحدها كافية للحل. فالإفلاس المائي يعني بلوغ الأحواض المائية نقطة اللاعودة، حيث تعجز الأنظمة الطبيعية عن استعادة توازنها مهما بُذل من جهد. وتتضافر في هذا الانهيار عوامل عدة: الاستنزاف المزمن للمياه الجوفية، والإفراط في التخصيص الزراعي، والتلوث المتراكم، وتدهور الغطاء النباتي الذي يُغذّي الدورة المائية.

المنطقة العربية: الأرقام تتكلم

تضم المنطقة 6% من سكان العالم مقابل أقل من 2% من موارده المائية المتجددة، وتحتضن 12 دولة من بين الأشد فقراً مائياً على الكوكب. وتتكشف الهشاشة في التفاصيل: فنصيب الفرد في دول الخليج لا يتخطى 250 متراً مكعباً سنوياً، أي ربع الخط الدولي للفقر المائي. وتستهلك الزراعة وحدها ما يزيد على 80% من المياه المتاحة في معظم الدول، وكثير منها يُنفق هذا الرصيد في محاصيل نقدية مُستنزِفة كالقمح والأرز المُصدَّرَين إلى الأسواق الخارجية، مما يعني تصدير المياه الشحيحة بصورة غير مباشرة.

"شح المياه يعني شح الغذاء، ومن ثَمّ الجوع والبطالة والاضطراب. وحين يُفلس حوض مائي واحد، فإن تداعياته تمتد عبر أسعار الغذاء والاستقرار السياسي وموجات الهجرة لتطال مجتمعات تبعد آلاف الكيلومترات."

— البروفيسور كافيه مداني، معهد UNU-INWEH

رهانات 2026

يصدر التقرير في سياق بالغ الدلالة: تستضيف الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب السنغال، مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في ديسمبر المقبل. وتطرح الوثيقة الأممية "إعادة ضبط جذرية" للأجندة العالمية تقوم على ثلاثة محاور: الاعتراف بالمياه ركيزةً استراتيجية لا هامشاً اقتصادياً، وإعادة هيكلة السياسات الزراعية والتسعيرية، والانتقال من الحلول الوطنية المنفردة إلى التعاون الإقليمي الحقيقي. فأزمة سد النهضة وتراجع دجلة والفرات دليلان صارخان على أن معارك المياه القادمة لن تُحسم بين وزارات، بل ربما بين دول.

المشهد قاسٍ، لكنه لا يخلو من نوافذ أمل ما زالت مفتوحة. تقنيات التحلية وإعادة استخدام المياه والري الذكي متاحة وقابلة للتوسع. غير أن المعادلة الحقيقية ليست تقنية؛ إنها سياسية في جوهرها. والسؤال الذي يطرحه التقرير بوضوح لا لبس فيه: هل تملك المنطقة العربية الإرادة والجرأة لإصلاح نموذج التنمية الذي استنزف مياهها، قبل أن يصبح الإفلاس المائي حكماً نهائياً لا استئناف فيه؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8925
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.