من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

النَّاسُ تَبكِي لِبُكَاءِ الشَّاعِر

بقلم: صلاحُ الدِّينِ عُثْمَان
النَّاسُ تَبكِي لِبُكَاءِ الشَّاعِر



 وانفجرَ الشِّعرُ نَهرَ دَمعٍ في صَدرِ إبراهِيمَ عَوضِ بَشِير، فَسَالَتِ المَرثيَّةُ كالسَّيلِ الجارفِ، تُدوِّي في الأرواحِ وتُشعلُ القلوبَ، حتَّى غَدَا البُكاءُ مَشهَداً جَماعِيّاً يَرتَفِعُ مع صَوتِ الشَّاعِر.

كانَ ابنَ قَبيلَةِ المُعَلِّمِينَ، ثمَّ صَعدَ إلى مَنابِرِ الصَّحافَةِ، فحَمَلَ القَلَمَ كما حَمَلَ الوَترَ، وجَعَلَ من الكَلِمَةِ مَوسِيقَى تُطرِبُ وتُبكِي. 

وفي يَومِ فَرحِهِ بزَواجِهِ، تَلقَّفَ قَضاءَ اللهِ بِرَحيلِ أُمِّهِ، فانتَفَضَ الشِّعرُ في مَرثيَّةٍ أبكَتِ القُلوبَ، وجَعَلَتِ النَّاسَ يَبكُونَ لِبُكَائِهِ.

كانَ شاعِراً ومُوسِيقِيّاً، وهو أوَّلُ مَن أدخَلَ آلةَ العُودِ إلى مَدِينَةِ القَضَارِف، وحَوَّلَ دَارَهُ إلى مُنتَدًى أدَبِيٍّ وفَنِّيٍّ، فغَدَا مَقاماً لِلكَلِمَةِ واللَّحنِ، ومَأوًى لِكُلِّ مَن يَطلُبُ الجَمالَ.


نَصُّ المَرثيَّة كاملاً:

وَيَجرِي مَدمَعِي شِعراً  

أنا أبكِيكَ لِلذِّكرَى

أنا أبكِيكَ لِلمَاضِي

ولِلعَهدِ الَّذي مَرَّ

ولِلألحانِ مُرسَلَةً

تُصُوغُ الفَنَّ والسِّحرَ

ولِلأزهارِ في الوَادِي

حَيَارَى تَرقُبُ الفَجرَ

أنا أبكِيكَ لِلذِّكرَى


أنا أبكِيكَ أن غنَّتْ

عَلَى الأشجارِ أطيارُ

أنا أبكِيكَ أن غنَّى

بِلَحنِ الحُبِّ مِزمارُ

وَأنِ اترَعَ في قَلبِي

فَيضُ اللَّحنِ قِيثارُ

أنا أبكِيكَ أن طَافَتْ

فَجَاءاتٌ وأخطارُ

أنا أبكِيكَ لِلذِّكرَى


عَشِقتُ البَدرَ يا سَلمَى

لأنَّ البَدرَ مَحيَّاكِ

عَشِقتُ النَّجمَ يا سَلمَى

لأنَّ النَّجمَ سَلوَاكِ

عَشِقتُ الرَّوضَ يا نُورِي

لأنَّ الرَّوضَ غَنَّاكِ

هَوِيتُ الغُصنَ في الوَادِي

لأنَّ الغُصنَ حَيَّاكِ

حَبَبتُ القَبرَ يا حُبِّي

لأنَّ القَبرَ ضمَّاكِ

عَبَدتُ اللهَ في سِرِّي

لأنَّ اللهَ سَوَّاكِ

أنا أبكِيكَ لِلذِّكرَى


لقد هَيَّجَ آلامِي

حَنِينُ المِزهرِ البَاكِي

وصَمتُ اللَّيلِ أشجَانِي

فَهَل سَلمَايَ أشجَاكِ

وهَل صُوَرُ مَاضِينَا

وهَل رَدَّدَ ذِكرَاكِ

يَفُوقُ الفَنَّ والإنشَادَ

والإشراقَ مَعنَاكِ

سَأبكِي كُلَّ مَا صَوَّرتْ

بِعَقلِي دُنيَاكِ

فَمَا أَعجَبَها دُنيَا

سَرَتْ بِالرُّوحِ مَسرَاكِ

أنا أبكِيكَ لِلذِّكرَى


المَرثيَّة في سِياقِ التُّراثِ العَرَبِيّ:

لم تَكُن مَرثيَّةُ إبراهِيم عَوض بَشِير غُربَةً في سَاحَةِ الشِّعرِ العَرَبِيّ، بل امتداداً لِسِلسِلَةٍ طَويلَةٍ من دُموعِ القُلوبِ الَّتي صاغَها الكِبارُ في قَصائِدِهم.   

فابنُ الرُّومِي رَثَى وَلَدَهُ حتَّى جَعَلَ القَبرَ مَسرحاً لِحُزنٍ مُقيمٍ، والمتنبِّي رَثَى جَدَّتَهُ فَجَعَلَ مِنَ الفَقدِ مَقاماً لِلعِزَّةِ والوفَاء.    

وهكذا جاءَ إبراهِيمُ عَوضُ بَشِير، فَأضافَ إلى سِفرِ المراثي العَرَبِيَّةِ صَوتاً مُوسِيقِيّاً يَمزِجُ بينَ الكَلِمَةِ والوَترِ، ويُحوِّلُ الدَّمعَ إلى أُغنُوَةٍ تُبكِي وتُطرِبُ في آنٍ واحِد.

إنَّها مَرثيَّةٌ تُذكِّرُنا أنَّ الشِّعرَ العَرَبِيَّ يَبقَى مَلاذاً لِلنَّاسِ، يَتَطهَّرونَ فيهِ بِالدَّمعِ، ويَستَعيدونَ فيهِ صُوَرَ الأحبَّةِ الغَائِبِين، وأنَّ فَخَامَةَ العَرَبِ لا تَكمُنُ في القُوَّةِ فَقط، بل في قُدرتِهِم على تَحويلِ الحُزنِ إلى جَمالٍ خالدٍ.

  الإسكندريَّة 20 مايو 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8933
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.