أزمة المبدعين في مصر.
ليست مشكلة، ولكنها مشاكل كثيرة، أول تلك المشاكل هي عدم استيعاب أنشطة الثقافة في مصر لإنتاج المبدعين، فعلى سبيل المثال يلتقي المبدعون على مقاهي معروفة لهم سواء في القاهرة أو في المحافظات. والمبدعون الحقيقيون هجروا الأماكن التقليدية لمقابلاتهم وهي مقار نوادي الأدب. فهي ليست مفتوحة على الدوام، لأنها مقار حكومية يديرها مبدعون. واما النقابة او اتحاد الكتاب فلا يستوعب إلا فئة خاصة وهم المقربون من مجلس الإدارة، لأجل هذا كان المكان الأنسب للقاء المبدعين بعضهم ببعض هو المقاهي في وسط البلد. فيها يجدون راحتهم وفيها يتبادلون إنتاجهم بكل حرية وأريحية، وفيها الجلسات المطولة الصافية.
كما أن لجان المجلس الأعلى للثقافة فهي ثابته ولا تتغير وعضويتها دائما للمقربين من مكاتب المسئولين الثقافيين بالمجلس أو مكاتب الوزارة العليا في شارع شجرة الدر.
ثاني تلك المشاكل هي مشاكل نشر المنتج الإبداعي مع ارتفاع أسعار الورق والأحبار والكهرباء والأجور وتكاليف المعيشة باتت مهنة النشر قاب قوسين أو أدني، وبعضها يواجه خطر الإغلاق، لأجل هذا تعاون المبدعون مع الناشرون للاحتفاظ بالقدر المتيقن لظهور المنتج الأدب. اما النشر في المجلات الثقافية فهو وإن كانت تحكمه فكرة العلاقات العامة والشللية إلا انه يعجر عن نشر كل المنتج الإبداعي للمبدعين، وقد انتقلت عدوى الشللية الى المجلات الخليجية وأصبحت تنشر لأسماء معينة ولا تحاول استبدالها.
اما الأزمة الكرى التي تقابل المبدعين في مصر فهي أزمة النقد. ولأن النقد هو تقييم الناتج الإبداعي وتقديمه للقارئ، إلا أن النقد الموضوعي اختفي تماما، وحل محله نوع من النقد الانطباعي وهو النقد الذي يقال في عجالة سواء في ندوة لمناقشة عمل المبدع أو في مقال صحفي، أما النقد الأكاديمي العلمي فأصبح مختفيا ويظهر في المجلات الفصلية والمخصصة للبحوث العلمية التي تنشر أبحاث أساتذة الأدب للترقية فقط، ومعظمها ينصب على من سبق الحديث والكتابة عنهم للاستسهال. أما مشكلة المشاكل فهي الجوائز الحكومية التي لا تثمن ولا تغني من جوع، اما عن جوائز الدولة فيكفي أن نقرا ما يكتب عقب إعلانها، لنعرف كيف تدار تلك الجوائز وكيفية التقدم، فلو أن نجيب محفظ بعث حيا من جديد، ولم تكن له شلة، فلن ينال أصغر جائزة في مصر. حتى القنوات الفضائية البرامج الثقافية فباتت مقصورة على المعارف والأصدقاء، ويكفي أن تشاهد ضيوف تلك البرامج حتى تعرف امكانياتها إلا من بعض البرامج الجادة والقليلة، التي ينتقي المبدعين الحقيقين.
الأزمة هي بالدرجة الأولى ازمة بلد ناشئ، كانت له حضارة، ولكنه كمعظم دول المشرق ابتلي بالتخلف، فمضى به التاريخ كسيحا حتى بدأ يستيقظ في مطلع القرن الواحد والعشرين متخبطا بين السياسات الدولية والأحلاف، وأصبح كل هم الدولة توفير لقمة العيش لأبنائها الذين فاضت بهم مساكنها وبيوتها. وبات الإبداع في آخر اهتماماتها. وكما ذكرنا فإن مشكلات النشر والمحاربة من أجل الرزق تطاردان المبدع، فلا يجد المبدع مكانا ليبدع دون أن يكافح من أجل الحصول على فرصة عمل أو كسب لقمة عيشه أولا بعدها يبحث عن الإبداع والنشر.
مما لا شك فيه أن التقدم الهائل في وسائل الاتصال أثر بالإيجاب، فأصبح بإمكان المبدع أن يبحث عن أحدث الوسائل والمنتجات في مجال ابداعه، ويتواصل مع غيره من المبدعين ويقف على أحدث ما وصلت إليه قريحة المبدعين، ليستطيع تقييم ومقارنة ابداعه بإبداع الآخرين. كما أن اختراع أجهزة الكمبيوتر وفرت على الكتاب كميات الأوراق التي كانوا يستخدمونها والأقلام والأحبار، وقدمت لهم طرق نظيفة وحدثه للكتابة وارسال ما ينتجون الى الصحف والمجلات ودور النشر وغلى زملائهم الكتاب والمبدعين. وأصبح المبدع يقضى اوقاته في مكتبه الكمبيوتر يطالع فيها أحدث الكتب، بدلا من الذهاب للمكتبة الورقية ليقرأ هناك.
القراءة يجب أن تشمل كل ما يمكن أن يكتبه الآخرون، وتشمل قوائم كتب أعدتها بعض دور النشر، لا يمكن تحديد مجال معين. فهناك الكتب الأساسية والإجبارية التي على الجميع مطالعتها، في مراحل معينة من العمر وفي فترات الدراسة، والكتب التي يختارها المنهج الدراسي أو في فترات التدريب على المهن المختلفة. كما تشمل قوائم القراءة الصحف والملاحق الثقافية والأدبية، وتعريف وعرض الكتب.
وتعتبر الكتب الدينية المقدسة وكتب التنمية البشرية وتطوير الذات، وروايات الخيال العلمي والروايات البوليسية والجنسية الساذجة، والترجمات الرديئة لبعض الروايات العالمية المشهورة والملخصات المخلة للأدب العالمي وكتب تعليم كيفية النجاح والإدارة، والموسوعات بالإضافة الى كتب السحر والجنس الأبراج والطهي. وهي كتب باتت تحتل مساحات واسعة في محال بيع الكتب. وتعتبر تلك الكتب هي الأعلى مبيعا في الحقيقة. اما القوائم التي تعلن عنها بعض دور النشر للترويج لبعض الروايات وكتابها، باعتبارها أعلى مبيعا فهي إعلانات بالدرجة الأولى ولا تعبر عن رواج لهؤلاء الكتاب أو تلك الروايات.
لا نمتلك تقييما محددا، واعتقد انه توجد دراسات لدى المركز القومي للبحوث عن تلك الحالات وهم الأقدر على إظهار تلك البنات والإجابة على هذا السؤال.
يشهد الكم الهائل من الروايات التي يعلن عنها أصحابها في صفحاتهم على الفيس بوك، بغزارة تنتجها قرائح المبدعين في هذا المجال، وهو ما يشهد على أننا مازلنا نعيش في العصر الذهبي للرواية، دون غيرها من أنواع الأدب. ولا شك ان دور النشر لديها مخزون هائل من تلك الروايات ينشرون منها نسخا قليلة، فإذا ما تم بيعها يطبعون غيرها. غير ان ما لفت نظري هو ظهور بعض الروايات باللغة العامية، وهو ما ينبغي أن يتنبه له الكتاب والمبدعين، كما بعض الروايات تحمل عناوين ملتبسة
غير منطقية، والغريب أن تلك الروايات تجد من يقبل عليها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك