من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الانتحار .. ألم نفسى أقوى من البقاء

محمد صلاح زكريا / أخصائى نفسى - كاتب و عضو اتحاد كتاب مصر
الانتحار .. ألم نفسى أقوى من البقاء



حين كنتُ أتدرب بمستشفى الصحة النفسية بحلوان فى نهاية التسعينيات مع مجموعةٍ من زملائى بقسم علم النفس بكلية الآداب بجامعة حلوان ، كانت هناك حالة لمريض ضمن الحالات الموجودة بالمستشفى حاول الانتحار أكثر من مرة، لكنه فشل فى كل مرة نتيجة ضغوط نفسية لم يستطع مواجهتها 

 سألته: لماذا تميل إلى الانتحار؟

نظر إلىَّ طويلًا ثم قال جملةً لم أنسها حتى الآن : 

" أنا أصلا ميت من زمان "

كانت إجابته صادمة، لكنها كشفت جانبًا خطيرًا من هذه الظاهرة، فالكثير ممن يفكرون فى الانتحار لا يبحثون عن الموت بقدر ما يبحثون عن الهروب من ألمٍ نفسىى يفوق قدرتهم على الاحتمال. إنهم يشعرون بأن الحياة فقدت معناها، وأنهم يعيشون بأجساد تتحرك بينما أرواحهم غارقة فى الوحدة واليأس والانكسار .

ومن هنا تأتى خطورة ظاهرة الانتحار؛ فهى ليست مجرد قرار لحظى أو ضعف فى الإيمان كما يظن البعض، بل هى فى كثيرٍ من الأحيان نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية قاسية، تبدأ بالاكتئاب والعزلة والإحباط، وقد تنتهى بفقدان الإنسان رغبته فى الحياة نفسها. ولذلك فإن مناقشة هذه الظاهرة من الناحية النفسية أصبحت ضرورة إنسانية ومجتمعية، لفهم أسبابها الحقيقية، وكيفية الوقاية منها، وطرق إنقاذ من يقفون على حافة اليأس قبل فوات الأوان

 و فى الوقت الحالى لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن حالة انتحار جديدة، حتى أصبح الخبر يتم تداوله بصورة بصورة اعتيادية وكأنه أمر مألوف، رغم أنه ظاهرة خطيرة تدق ناقوس الخطر داخل المجتمع. والأكثر ألما أن الأمر لم يعد يقتصر على الكبار فقط، بل امتد إلى صغار السن وطلاب المدارس وشبابٍ ما زالوا فى مقتبل العمر، يحملون أحلاما كان يفترض أن تبدأ لا أن تنتهى بهذه القسوة

و رغم أن الحياة اليوم تبدو أكثر يسرًا ورفاهية من الماضى، ويسعى كثير من الآباء إلى تلبية جميع احتياجات أبنائهم المادية، إلا أن لغة التواصل الحقيقى بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا، فأصبح كل فرد يعيش داخل جزيرته المنعزلة. وقد ساهمت التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة فى اتساع الفجوة بين أفراد الأسرة، حتى غاب الحوار، وضعف الاهتمام، وتراجع الاحتواء النفسى الذى يحتاجه الإنسان قبل أى شىء آخر .

هناك إشارات نفسية وسلوكية قد تظهر على الشخص قبل محاولته الانتحار، منها:

الحديث المتكرر عن الموت أو اليأس.

الانعزال المفاجئ والابتعاد عن الآخرين.

فقدان الشغف بكل ما كان يحبه.

اضطرابات النوم والطعام.

العصبية أو الحزن المستمر.

كتابة رسائل وداع أو توزيع متعلقاته الشخصية.

التلميح بأنه أصبح عبئا على الجميع.

وهنا يأتى دور الأسرة والمدرسة والأصدقاء فى الانتباه وعدم الاستهانة بأى تغير نفسى واضح .

لذلك مواجهة الانتحار لا تكون بالعقاب أو السخرية أو التقليل من مشاعر الآخرين، بل بالفهم والاحتواء والدعم النفسى الحقيقى مع نشر الوعى النفسى

حيث يجب أن يتعلم الناس أن المرض النفسى ليس ضعفًا أو جنونًا، بل أزمة تحتاج إلى علاج مثل أى مرض عضوى، و الاستماع دون أحكام

فى أحيان كثيرة قد تنقذ كلمة طيبة أو جلسة إنصات حياة إنسان كان يبحث فقط عمن يفهمه.

و لا يمكن أن نغفل دعم الأسرة

فالبيت الدافئ القائم على الحوار والاحتواء يقلل كثيرًا من احتمالات الانهيار النفسى.

ثم دور المدرسة والإعلام حيث يجب تقديم برامج توعية نفسية حقيقية، والابتعاد عن تناول حوادث الانتحار بصورة مثيرة قد تشجع التقليد مع تفعيل دور الاخصائى النفسى فى المدارس و تنفيذ برامج و مبادرات تقدم الدعم النفسى و الرعاية و تزيد من وعى الطلاب فى التعامل مع الضغوط و التواصل الفعال مع الآخرين و دعم القيم الإيجابية .

و من العوامل المهمة كذلك اللجوء إلى الطبيب النفسى

لأن العلاج النفسى والدعم الدوائى فى بعض الحالات قد ينقذان حياة كاملة ويعيدان الإنسان إلى توازنه.

و فى النهاية نؤكد على أن الحياة مهما اشتدت قسوتها لا تخلو من نافذة نور، والإنسان قد يضعف لكنه يستطيع أن ينهض من جديد إذا وجد من يمد له يد الرحمة والدعم.

فالانتحار ليس حلًا للمشكلات، بل نهاية مؤلمة لقصة كان يمكن أن تُكتب بشكل أفضل لو وجد صاحبها من يسمعه ويفهم ألمه.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لمن يعانى نفسيًّا ليس النصائح الكثيرة، بل الشعور بأنه ليس وحده فى معركته مع الحياة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8970
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.