من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ما بين الكوميديا السوداء وتجلي إرادة الحياة وتأطير آلية التداعي الحر واستراتيجية التشظي… تأخذنا (البؤرة) للقاصة المبدعة أستاذة إيمان عنان

قراءة تحليلية نفسية بقلمي / أحمد فاروق بيضون
ما بين الكوميديا السوداء وتجلي إرادة الحياة وتأطير آلية التداعي الحر واستراتيجية التشظي… تأخذنا (البؤرة) للقاصة المبدعة أستاذة إيمان عنان

البؤرة.. استهلالية بعنونة تستجدي ثيمة التشويق apprehension إلي نقطة تركيز تستجمع إشعاعاََ ضوئيا من منظور فيزيائي،لكنه تبدى في التحفة السردية الماثلة (حاضنة) لآليات الدفاع النفسي في مواجهة حتمية الموت وسوء المآل المنتظر من الشخصية البطولية، يبدو بأن البطل المؤسطر في مغامراته ومناوءاته النسائية وانحطاطه الأخلاقي وارتكابه الكبائر والبوائق هو الظاهر الواقعي (جيكل) الذي يخفي وراءه مستر(هايد) الشرير في اللاوعي، كما أشار الفيلسوف الألماني كارل يونغ، بل أصبحت كل ألوان الوجود أمامه بلون الغرق.. وهذا هو القلق الوجودي وزاجر الضمير الذي يؤنبه ويتسلل لصدره ليحضه على البحث عن حقيقة أفاعيله وألاعيبه الملتوية، التي ستقله إلى الهاوية، مازال ضليعاََ في اجرامه السافر ولم يلتفت بعد لمغبَّة القدر الذي ينتظره، فيثير حفيظته نااموس من أسئلة استنكارية وجودية لا إجابة لها في نفسه الأمارة، اتضح ذلك في مونولوج داخلي يدور حول اقتراب نهايته من خلال (البؤرة) التي تحمل هالة زمانية وإمكانية كنذير وحامل لنواقيس خطر يداهمه ويراه بأم عينه قد دنا ولا يحرك ساكناََ، تلاشت كلا من (الهو) و(الأنا) في تلك اللحظة فيما يعرف في علم النفس wild-horse effect تأثير الحصان الجامح الذي كان وقتا ما من العاديات الموريات وتجذَّر إلى كائن يخشى من كائن ضئيل مجهول فيتوقف؛ وهنا يدرك بأنه من عدم وبأنه عبثي وبأنه لاشيء إلا بصر شاخص لاهث وراء سوء خاتمة، ليرى الزيف في كل شيء في محيطه بين صحن معدني في الأصل عملة معدنية، ويكأن الدنيا وعاء أوهام كاذبة… هنيئا لنا هذه التحفة الإبداعية التي لخصت كل معاني الإنسانية ومسرحة مشاهد الملذات والشهوات وبرهنت بأننا جميعا كبشر ننتظر تلك البؤرة عاجلاََ غير آجل وستدركننا شئنا أم أبينا.. ويبقى صالح العمل. 

شكرا القاصة لابداعها وتطوافها بفكرتها فيما يمس النفس الإنسانية بقولبة سردية محكمة وكأنها تطلق رصاصة الرحمة من تلك البؤرة كي نراجع أنفسنا قبل فَوت.. 



‐------------------------------------

نص القصة                      


“البؤرة”



كان مستلقيًا على فراشه، شارداً، غارقًا في دوامات الماضي… خمسون عامًا انقضت وهو يلهث خلف شهواته، لا يعبأ بشيء سوى لذته، لم يردع عن الظلم وارتكاب الجرائم، ازدراء القيم وحقوق الآخرين، نصف قرن وهو يعيش في الكذب والرشوة وشهادات الزور، لم يرحم فيه امرأة، أوقع بالكثيرات في شباكه ثم مضى، تاركًا خلفه ندوبًا غائرة، وألمًا لا يندمل.

تسلل إلى صدره شعور ثقيل، أشبه بقبضة تتكئ على قلبه، وهو يحدق إلى سقف غرفته كأنما ينتظر شيئًا، لمحت عيناه بؤرة من الضوء تنبثق في زاوية السقف… نقطة ضوء غريبة، ثابتة، لا تشبه نور المصباح ولا تسلل أشعة الشمس.

ارتعد، وجلس متحفزًا. عاد سريعًا إلى وضع الاستلقاء، وضع ساقًا فوق أخرى، يواصل النظر إلى تلك البؤرة الغريبة.

كانت تختفي وتظهر، تخبو وتسطع، كأنها تتنفس.

همس لنفسه:

ـ أهي نهايتي؟ هل جاء الموت يزورني؟ لماذا لا أشعر بانقباض الروح؟ ألم يقولوا إن من يقترب من الرحيل يشعر بشيء؟ 


البؤرة تستمر في لعبتها الغامضة، تزيد وهجًا، ثم تهدأ… تزيد، ثم تهدأ.

نهض، تتسارع نبضات قلبه، كأن قلبه يشق صدره. اقترب أكثر، حدق في الضوء، تحرك خطوة واحدة فقط… فانطفأت البؤرة فجأة.

ارتبك، نظر حوله في ذهول… ثم التفت إلى جانبه.

كانت هناك صينية معدنية فارغة موضوعة بجواره على الفراش، وهم صغير صنعته قطعة معدنية ومنبع ضوء مائل.

ابتسم بسخرية، ثم تمتم بمرارة:

ـ حتى النهايات التي أتوهمها كاذبة.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8972
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.