السُّودانُ على إِرْثِ أبي جَهل
مُقدِّمة:
إذْ قُدِّرَ لأحدِنا أنْ يَطوفَ بكاميرا التَّاريخِ على مَشاهدِ الانقلاباتِ، لَوجدَ أحكاماً رادعةً تُنفَّذُ بلا رَحمةٍ، وسُلطاناً مُطلَقاً يَعبثُ بالدُّستورِ ويَسوقُ البلادَ إلى المَقصلةِ.
وما أشبهَ اليومَ بالأمسِ، غيرَ أنَّ السِّلاحَ صارَ أداةً لِتَفكيكِ الوَطنِ لا لِحِمايَتِه.
وقائعُ دامية:
ما إنْ يَنجحُ انقلابٌ حتَّى تُفتَحَ أبوابُ المعتقلاتِ، ويُساقُ الأحرارُ إلى غَياهِبِ السُّجونِ كأنَّهُم في مَساقِ المَوتِ، ويُرمى بالشُّرفاءِ إلى المَشانقِ أو يُقصَفونَ بالرصاصِ.
تُدبَّجُ المَذكراتُ الماكرةُ، ويَقرأُ القضاءُ العسكريُّ أفكارَ السُّلطانِ كأنَّها وحيٌ مُنزَّلٌ.
واقعُ الحال:
توالتِ الصَّفحاتُ المُلطَّخةُ بالدِّماءِ، وتكاثرتِ الحركاتُ المُسلَّحةُ، بعضها يُغازلُ السُّلطةَ بالمناصبِ، وبعضُها يُشعلُ الفتنَ في الأطرافِ.
وما زالَ المواطنُ يَشعرُ أنَّ الحربَ موجَّهَةٌ ضِدَّهُ، وأنَّ الوطنَ صارَ ساحةً لتصفيةِ الحساباتِ لا لبناءِ السَّلامِ.
تصرُّفٌ مَعيب:
خرجتْ أصواتٌ مدنيَّةٌ تُنادي بدمجِ الحركاتِ في جيشٍ واحدٍ، لكنَّ زعماءَ الحربِ أبوا إلَّا أنْ يَستمرُّوا في نَحرِ البلادِ، مُستعدِّينَ لِقَتلِ الوطنِ وفقَ رُؤًى أشدَّ قُبحاً من رمادِ الحروبِ.
إفرازاتُ الحرب:
انشقاقاتٌ، رُتبٌ تُمنَحُ للمُتمرِّدين، ومَساراتٌ أليمةٌ تُحوِّلُ الجُنديةَ إلى مَطمعٍ للسُّلطةِ لا مَيداناً للشَّرفِ.
صارَ الانتماءُ للجيشِ يَأتي عبرَ بوابةِ الحربِ، والدماءُ تَقطُرُ من سُيوفِ القادةِ.
خاتمةُ المطاف:
ما يَجري الآن زِلزالٌ يُدمِّرُ العقولَ ويُجبِرُها على التَّفكيرِ في سُودانٍ جديدٍ.
سُودانٌ يَرفضُ قوانينَ الذُّلِّ، ويَدينُ أمراءَ الحربِ، ويُحاكِمُ القاتلَ لا المُعارضَ.
ستَخرُجُ شمسُ النَّهارِ الحارقةُ لتُذيبَ أفكارَ أبي جَهلٍ، وتَدفنَها في ذاتِ القَليبِ.
أبو جَهلٍ ورجالاتُهُ كانوا سَبعينَ، فَسقطوا في القَليبِ مَذمومينَ مدحورينَ.
وسُودانُنا سَبعونَ عاماً يَسيرُ في رَكبِ الاستقلالِ، لكنَّهُ ما زالَ يَتخبَّطُ في ذاتِ القَليبِ.
إنْ لم نَكسرِ هذا الإرثَ الآن، فَسَنُدفَنُ جميعاً لا كأفرادٍ، بل كَشَعبٍ يُمحى من التَّاريخِ، ويُكتَبُ في سِجِلِّ أبي جَهلٍ لا في سِجِلِّ الأحرارِ.
الإسكندريَّةُ 22 مايو 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك