خطبة الوداع : الوثيقة العالمية الأولى لحقوق الإنسان
دراسة أكاديمية في أبعادها التاريخية والعلمية والبلاغية
مقدمة بلاغية :
• الحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم
رحمة للعالمين ، فأنقذ به الإنسانية من ظلمات الجاهلية إلى نور ،
الهداية ، وجعل كلماته نبراسا تهتدي به الأمم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي وقف على صعيد
عرفات في مشهد لم تعرف البشرية له مثيلا ، يخاطب الإنسانية
كلها لا جيلا بعينه ، ولا قوما دون قوم ، بل ألقى خطبته الخالدة لتبقى دستورا ربانيا خالدا إلى قيام الساعة •
• لقد جاءت خطبة الوداع في لحظة فارقة من التاريخ ؛ حيث
اكتمل الدين ، وتمت النعمة ، واجتمع حول النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مائة ألف مسلم ، يستمعون إلى كلمات خرجت
من قلب النبوة لتؤسس أعظم مبادئ العدالة والمساواة والرحمة والإنسانية •
فكانت خطبة الوداع بحق وثيقة عالمية سبقت مواثيق حقوق
الإنسان الحديثة بقرون طويلة ، وأرست قواعد الحضارة الإنسانية الراقية في أوج زمن كانت البشرية فيه غارقة في
الظلم والعصبية والتميز •
قال تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " سورة المائدة : ٣ •
المحور الأول :
• خطبة الوداع : زمانها ومكانه وحضورها العالمي •
أولا : متى ألقيت خطبة الوداع ؟
ألقيت خطبة الوداع في التاسع من ذي الحجة من السنة العاشرة
للهجرة ، أثناء حجة الوداع ، وهي الحجة الوحيدة التي حجها
النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة •
• وقد سميت ب " حجة الوداع " لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -
ودع فيها الأمة ، وأشعرهم بقرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، إذ قال : " لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا " رواه مسلم •
ثانيا : أين ألقيت خطبة الوداع ؟
• ألقيت الخطبة الأساسية في صعيد جبل عرفات بالقرب من جبل الرحمة ، ثم كرر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض مضامينها في منى وأيام التشريق •
• وقد اختيار يوم عرفة تحديدا لأنه أعظم مشهد يجتمع فيه المسلمون من مختلف القبائل والأجناس واللغات ، ليكون إعلانا
عالميا شاملا •
ثالثا : كم بلغ عدد من حضر خطبة الوداع ؟
تشير الروايات التاريخية إلى أن عدد من حضر حجة الوداع
بلغ ما بين ١١٤ ألفا إلى ١٢٤ ألف مسلم • قال ابن كثير في البداية والنهاية : " وكانوا خلقا كثيرا لا يعلم عددهم إلا الله " •
• وهذا العدد الهائل في ذلك العصر يعد من أكبر التجمعات الشرية في التاريخ القديم •
رابعا : هل سمعها الجميع مباشرة ؟
• من الإعجاز التنظيمي في الحدث في. هذا الحدث العظيم أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ثم يقوم بعض من
الصحابة بتبليغ صوته لمن هم بعيدون ، فيرددون الكلمات بصوت
مرتفع حتى تصل إلى الجميع • وكان من أشهر المبلغين : ربيعة
بن أمية بن خلف • فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول الجملة ، ثم يكررها ربيعة بصوت عال •
خامسا : هل سمعها من كانوا داخل البيوت ؟
لم تكن وسائل النقل الصوتي موجودة ، ولذلك فالسماع المباشر كان للحاضرين في عرفات ، أما من كانوا داخل البيوت فلم يسمعوها مباشرة ، لكن الخطبة نقلت سريعا شفهيا ثم تدوينيا
حتى أصبحت من أكثر النصوص النبوية انتشارا في الأمة •
وهذا من دلائل عناية الله بحفظ الرسالة •
قال تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " سورة الحجر الآية ٩ •
المحور الثاني :ما الإعجاز العلمي والحضاري في خطبة الوداع ؟
• قد يظن البعض أن الإعجاز العلمي يقتصر على العلوم الكونية والطبية فقط ، بينما خطبة الوداع تضمنت إعجازا تشريعيا ونفسيا واجتماعيا وإنسانيا سبق الحضارة الحديثة بقرون •
أولا : مبدأ المساواة الإنسانية •
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا أيها الناس ، إن ربكم واحد ، وإن آباكم واحد ، لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى " .
ما وجه الإعجاز في ذلك ؟
هذا الإعلان سبق : • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان • قوانين مكافحة العنصرية • نظريات المساواة الاجتماعية الحديثة •
• بينما كانت البشرية آنذاك قائمة على : الطبقية ، العبودية ، التميز العرقي •
• وقد أثبت علم الاجتماع الحديث أن التمييز العنصري يؤدي إلى : التفكك المجتمعي ، الاضرابات النفسية ، العنف الحضاري •
• فجاء الإسلامي ليعالج جذور الأزمة قبل أن يعرفها العالم بقرون•
ثانيا : تحريم الدماء والأموال والأعراض •
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام "
ما الإعجاز التشريعي في ذلك ؟
• هذه العبارة وضعت ثلاث ركائز للاستقرار الإنساني •
١ - الأمن الجسدي . ٢ - الأمن الاقتصادي . ٣ - الأمن الأخلاقي •
• وهي ذاتها الأسس التي تقوم عليها الدول الحديثة اليوم •
وقد أثبتت الدراسات المعاصرة أن المجتمعات التي يختل فيها أحد هذه الأركان تتعرض للانهيار الاجتماعي والنفسي •
ثالثا : حقوق المرأة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "
" استوصوا بالنساء خيرا " ما وجه الإعجاز الحضاري ذلك ؟
• في عصر كانت المرأة لم تورث وتهان وتحرم من أبسط الحقوق ، وجاءت الخطبة لترفع مكانتها الإنسانية والاجتماعية ، بل إن كثير من التشريعات الغربية المتعلقة بحقوق المرأة لم تظهر إلا بعد قرون طوال.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك