من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ترامب يشعل غضب مزارعي أمريكا .. والحصاد السياسي القادم غامض

واشنطن : " نقاش "
 ترامب يشعل غضب مزارعي أمريكا .. والحصاد السياسي القادم غامض


تحت ظلال حقول الذرة الشاسعة في الغرب الأوسط الأمريكي، لم يعد صمت الريف دليلاً على السكينة؛ بل بات يُخفي خلفه عاصفة من الغضب المكتوم تتأهب لإعادة رسم الخريطة السياسية في البلاد، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 بخطى متسارعة.

بين مطرقة التكاليف وسندان الرسوم

يجد المزارع الأمريكي نفسه اليوم محاصراً في كماشة اقتصادية غير مسبوقة؛ فمن جهة، اشتعلت أسعار مستلزمات الإنتاج إثر التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، ومن جهة أخرى، خنقت الرسوم الجمركية هوامش ربحه الضيقة أصلاً. وتحوّل هذا الإحباط المتراكم إلى طاقة سياسية مشحونة، باتت تُهدد بتقويض دعائم أحد أوثق المعاقل التقليدية للحزب الجمهوري.

ارتفعت أسعار سماد الأمونيا اللامائية واليوريا إلى مستويات قياسية في أعقاب التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وتداعيات النزاعات المسلحة المستمرة، لترتفع تكلفة زراعة الفدان الواحد إلى حد يتجاوز فيها العائد المتوقع. وفي قلب ولاية آيوا، يختصر المزارع جون ميلر المأزق بعبارات موجعة:

"نحن نقامر بمستقبل عائلاتنا؛ ندفع تكاليف إنتاج باهظة وغير منطقية، ونبيع محصولنا بأسعار تُذكّرنا بأحلك حقبتي السبعينيات والثمانينيات. الخيار صار بين ترك الأرض بوراً، أو الغرق في الديون."

أرقام تُنذر بالأسوأ

لا تعكس هذه الشهادات الفردية مجرد مواجع شخصية، بل تُجسّد واقعاً هيكلياً متردياً تكشفه الأرقام الرسمية بجلاء:

624.7 مليار دولار إجمالي الديون الزراعية في الولايات المتحدة، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

ارتفاع بنسبة 45% في طلبات الإفلاس المقدمة بموجب الفصل الثاني عشر المخصص للمزارعين.

تراجع حاد في مساحات زراعة الذرة بولايات الحزام الزراعي، إذ لجأ كثير من المزارعين إلى تقليص كميات الأسمدة أو العزوف عن الزراعة كلياً.

ويرى المزارعون أن شركات الأسمدة الكبرى تستغل الأزمات الدولية لرفع الأسعار وجني أرباح طائلة على حساب صغار المنتجين، في ظل غياب تدخل حكومي فعّال لكبح هذه الممارسات.

صرخة من حقول أوهايو

من ولاية أوهايو، يرفع المزارع روبرت تيرنر صوته مُحذراً المشرعين في واشنطن:

"السياسيون يعيشون في أبراج عاجية، منشغلون بصراعاتهم الجيوسياسية واتفاقياتهم الدولية، بينما الأمن الغذائي لبلادهم ينهار أمام أعينهم. مجتمعات الريف لن تقبل بعد الآن أن تكون مجرد أرقام منسية في دفاتر السياسة الفيدرالية."

زلزال انتخابي في الأفق

لا يتوقف هذا الغضب عند حدود الحقول، بل يزحف نحو صناديق الاقتراع بزخم متصاعد. وتكشف أحدث استطلاعات الرأي عن تحول جوهري في المزاج السياسي للريف الأمريكي:

39% من المزارعين يُصنّفون أنفسهم حالياً في خانة المترددين أو القابلين لتغيير توجهاتهم التصويتية.

نصف المزارعين المنتمين تاريخياً إلى الكتلة الجمهورية يُعربون عن رغبة في التصويت العقابي.

ولايات محورية كـآيوا وأوهايو وويسكونسن وميشيغان مرشحة لشهادة انقلابات انتخابية غير متوقعة في نوفمبر 2026.

وتُعد هذه الأرقام مثيرة للقلق بصورة بالغة في مراكز صنع القرار الجمهوري، لا سيما أن الغرب الأوسط الزراعي شكّل ركيزة أساسية في انتصارات دونالد ترامب الانتخابية المتعاقبة.

الأرض تُصوّت في نوفمبر

المزارع الذي يُقلّص اليوم كميات الأسمدة في أرضه يعلم أن محصول الخريف سيكون ضئيلاً. غير أنه يُعدّ لحصاد من نوع مختلف تماماً في الاستحقاق الانتخابي المقبل؛ حصاد سياسي قد يُعاقب فيه كل من يرى أنه تهاون في حماية الأمن الغذائي الأمريكي.

الأصوات القادمة من ريف آيوا وأوهايو وسائر ولايات الحزام الزراعي ستحمل معها رائحة الأرض المجهدة وقسوة العيش، لتوجه رسالة واضحة إلى واشنطن: من يملك القوت يملك صياغة المستقبل السياسي للبلاد.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9103
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.